منذ البدء سكَنَت حماتي معنا لأنّ خطيبي أكَّدَ لي قبل الزواج أنّه لن يترُكها لوحدها كَون أخوَته كلّهم سافروا بعيدًا وبَنوا حياتهم حيث هم. لَم أُمانِع لأنّني كنتُ أُحبُّه كثيرًا، وذلك بالرغم مِن مخاوفي مِن أن تكون حياتي صعبة مع نجاح، أمه، امرأة قويّة الشخصيّة لا تقبَل النقاش أو المعارضة. وعلى مرّ السنوات، إعتَدتُ عليها وعرفتُ كيف أتماشى مع مزاجها الصعب. مِن جهة أخرى ساعدَتني نجاح كثيرًا بتربية أولادنا مع أنّني لَم أكن دائمًا موافِقة على طريقتها. وعندما كنتُ أوجِّه لها الملاحظات بهذا الشأن كانت دائمًا تُجيب:" لقد ربَّيتُ زوجكِ، وهو رجُل مُستقيم ومتوازِن، فأنا أعرِف ماذا أفعَل!". عندها كنتُ أسكُت، فهي كانت على حقّ، فزوجي إنسان بالفعل جيّد مِن كل النواحي.
وشاءَت الظروف أن تمرض نجاح، فاهتمَمتُ بها وكأنّني بالفعل ابنتها عالِمةً تمام العِلم أنّ مرَضها هو مُزمن وأنّني سأظلّ أُساعِدها حتى الآخِر. لَم أُمانِع على الإطلاق، فكان قد حانَ الوقت لأردّ لتلك المرأة ما فعلَته لابنها وأولادي، فهي بالرغم مِن طبعها الحاد، كانت إنسانة خدومة وحنونة. تعِبتُ كثيرًا بين عمَلي في الشركة وأولادي وزوجي وحماتي، لكنّني كنتُ أعلَم أنّ الله يرى كلّ ما أفعلُه وسيُكافئني حين يأتي يوم الحساب. لذا فعلتُ جهدي لِعدَم التقصير أبدًا فيما يخصّ كلّ أفراد عائلتي. لكنّني لَم أتوقَّع أنّ تعَبي سيزيد عندما أضطرّ للاهتمام أيضًا بأمّي!
فذات يوم وصلَني خبَر وقوع أمّي عن سلالم بيتها، وأنّها ستأتي إلى بيتي لقضاء الفترة اللازمة لتتحسّن. فهي كانت تعيشُ لوحدها مع أبي، وباقي إخوَتي كانوا مُنتشرين في أنحاء البلاد، وكنتُ أقرَبهم إليها. للحقيقة، لَم أكن مسرورة أبدًا، فكان بإمكانها الذهاب إلى أحَد أولادها الآخَرين، حتّى لو كانوا بعيدين، فهي كانت تعلَم تمام العِلم كَم أنّني أتعَب في بيتي.
وهكذا وصلَت أمّي ورِجلُها في الجِبس، وهي بالكادِ نظرَت إليّ أو عانقَتني، بل قالَت على الفورِ:
- أينَ سأنام؟
- في الغرفةِ مع حماتي طبعًا، فليس لدينا مكانٌ آخَر.
- أنا أنام مع حماتكِ؟ تلك العجوز المريضة؟
- ماما، إخفضي صوتكِ مِن فضلكِ! نجاح ليست عجوزًا، بل تكبرُكِ بسنتَين فقط!
- فليَنَم زوجُك معها، وأنا سأنامُ معكِ.
- لن يحصل ذلك، فلن أنفصِل عن زوجي. إمّا أن تنامي مع حماتي أو تقصُدي أحَد إخوَتي!
سكتَت أمّي على مضض وراحَت، بمساعدة عكّازها، إلى غرفة حماتي وبالكاد ألقَت التحية عليها ثمّ بدأَت تضَعُ أغراضها في الخزانة فوق أغراض نجاح. ركَضتُ أقسُم الخزانة ودَلَلتُ والدتي أين يمكنُها وضع ملابسها، وهي لَم تمتنِع عن الاعراب عاليًا عن استيائها. لَم أرُد عليها لأنّني كنتُ ابنتها وأعرفُها عن ظهر قلب وأُدرِك أنّ لا فائدة مِن مناقشتها، فهكذا هي كانت: تعرفُ كلَّ شيءٍ وتعتبرُ نفسها أذكى مِن باقي الناس وتطالِب بالتقديِر والامتنان لأنّ بنظرها هي الأفضل!
ترَكتُ المرأتَين لوحدهما ورحتُ ألتجئ إلى زوجي قائلةً:" أستُر يا ربّ!". فكنتُ أتوقّع أنّ وجود حماتي وأمّي في البيت نفسه، بل الغرفة نفسها كان سيُحدِثُ مصائب كبيرة. لكن ما عسايَ أفعَل؟
لَم يمرّ يوم واحِد قَبل أن وقَعَ أوّل شجار بين نجاح وأمّي، فهذه الأخيرة أشعلَت راديو صغيرًا جلبَته معها بأعلى صوته، بينما أرادَت حماتي أن ترتاح. عَلا صراخهما وسمعتُ منهما ألفاظًا ليست جميلة أبدًا، وبدأَت الاثنتان بالصراخ والبكاء في آنٍ واحِد. ركَضنا جميعًا لنرى ما يحصل، وأخَذنا نُهدِّئهما حتّى عمَّ السكوتُ قليلًا. تكرَّرَ الوضع شِبه يوميًّا حتّى أن عرَضَ زوجي بنفسه أن يتشارَك مع أمِّه غرفتها وأن تنامَ أمّي معي. غضِبتُ كثيرًا، فلَم أنَم ليلةً واحِدة مِن دون زوجي إلى جانبي منذ يومنا الأوّل، ولأنّ أمّي كانت قد انتصرَت وحصلَت على مرادِها... كعادتها!
ثمّ بدأَ زوجي يُعاتِبني على استقبالي لأمّي:
- هي لا تبدو لي غير قادِرة على الاهتمام بنفسها! وماذا عن أبيك؟ لماذا لا يهتمّ بها؟
- للسبب نفسه الذي لا يحمِلكَ على الاهتمام بأمّكَ. لدَيّ عمَل خارج المنزل وداخله مع أولادي ومعكَ ومع أمّكَ. هل حاوَلتَ ولو مرّة أن تساعِدَني؟ أنتَ تتفرَّج عليّ وأنا أركض يمينًا وشمالًا وكأنّ مِن واجباتي أنا وحدي أن أقوم بكلّ شيء.
- ما هذا الكلام؟ أنا...
- أنت ماذا؟ إسمع، لَم أشتكِ مِن قَبل لكن هذا لا يعني أنّني لا أشعُر بالغُبن. أنتَ تسأل لماذا أبي لا يهتمّ بأمّي؟ يا لوقاحتكَ!
- أنا لَم أُجبركِ على العمَل في الشركة!
- وكيف كنّا سندفَع فواتيرنا ومدارس أولادنا؟ مِن راتبكَ وحده؟ أنتَ تعلَم أنّ ما تجنيه ليس كافيًا. إضافة إلى ذلك، أنا لَم أولَد لأهتمّ بغيري وحسب، بل أيضًا لأُحقِّق ذاتي: أن أدرُس وأعمَل وأصِل إلى درجة امتنان تُفرِحُ قلبي. أنا لَم أُنجِب أولادنا لوحدي وأمّكَ ليست أمّي. وحين أجلبُ والدتي لفترة زمنيّة قصيرة، تمتعِض فجأة؟
- ألا ترَين كيف هما تتشاجران باستمرار؟؟؟ لَم أعُد أحتمَّل الوضع!
- بل عليكَ أن تتحمَّله تمامًا كما تحمَّلتُ والدتكَ لأكثر مِن عشر سنوات وهي تأمر وتنهي وتتعاطى بكل وجه مِن أوجُه حياتي! ناهيكَ عن مرَضها الذي عليّ التعامل معه لفترة غير مُحدّدة! أُعيدُ وأقول لكَ إنّني لَم أتذمَّر يومًا، لكنّ الآن، بما أنّكَ أثَرتَ الموضوع، مِن الضروريّ أن ترى مدى تضحياتي حتّى اليوم. فلَم أسمَع منكَ كلمة تقدير أو شكر، بل بقيتَ تتصرّف وكأنّ كلّ ما أفعلُه هو أمر طبيعيّ وبديهيّ. لا يا أستاذ، أنتَ مُخطئ!
لَم أعُد أتبادَل الكلام مع زوجي لأيّام طويلة، الأمر الذي لاحظَه كلّ سكّان البيت. وأظنُّ أنّ تلك الحادِثة أثَّرَت ليس فقط على زوجي وأولادي، بل أيضًا على حماتي وأمّي. فسادَ سكونٌ البيت فجأة، سكونٌ غريب بالفعل. كان الجميع وكأنّهم حبَسوا أنفاسهم مِن خوفهم مِن أن يُتسبّبوا لي ولزوجي مشكلة كبيرة قد تصِل إلى الانفصال. مِن ناحيتي، شكرتُ ربّي أنّني توصَّلتُ للتعبير لِزوجي عن حياتي اليوميّة الصعبة، حتى لو كان ذلك خلال شجار، فعلى الأقلّ لَم يعُد مِن الضروريّ أن أدَّعي السعادة.
ثمّ طلبَت امّي أن تتكلّم معي في غرفة نجاح، ولدى دخولي المكان، كانت حماتي مُربكة وكذلك والدتي التي قالَت لي:
- طلَبنا أن نُكلّمكِ لنعتذِر منكِ، فلدَينا شعور بأنّ ما يحصل بيننا تفاقَمَ لدرجة لَم تعد مقبولة، اليس كذلك يا نجاح؟
- أجل، ولدَيّ اعتراف... فالحقيقة أنّني لَم أُحِبّ فكرة قدوم أمّكِ الى هنا، لأبقى محَطّ الاهتمام الوحيد، كما إعتَدتُ.
ثمّ اقتربَت أمّي منّي وقالَت:
- أمّا بالنسبة لي، فكان بإمكاني البقاء في بيتي او الذهاب الى أحَد اخَوتكِ، لكنّني جئتُ إلى هنا لأنّني أغارُ مِن الطريقة التي تُعاملين بها حماتكِ، فأنا أمّكِ!
- أجل يا ماما، لكنّ نجاح مُصابة بمرَض مُزمِن، على خلافكِ!
- أعلَم ذلك، إلّا أنّه شعور أقوى منّي... فلَم أتحمَّل أن تعامِل ابنتي امرأة اخرى وكأنّها أمّها.
ثمّ أضافَت نجاح:
- ولقد قرَّرنا أن نتقبَّل بعضنا حتّى تشفى رِجل أمّكِ... وليس بعد ذلك!
ثمّ ضحِكَت المرأتان وتعانَقنا كلّنا. لكن كان لدى نجاح ما تُضيفه:
- سمعتُ ما قلتِه لابني أثناء شجاركما، وأنتِ على حق. أعترفُ أنّني لطالما اعتقَدتُ وقبِلتُ أن أكون مَن يتعَب ويعمَل ويهتَمّ كَوني امرأة، أو بالأحرى امرأة شرقيّة، فيُلقى الحِمل كلّه عليّ. لكن لدى سماع كلامكِ، أدركتُ أنّ ذلك ليس صائبًا، وتذكَّرتُ فجأة كَم أنّني تعِبتُ مع زوجي وأولادي وأيضًا حماتي. للحقيقة، إن فكَّرتُ جيّدًا، لا أظنّ أنّ كانت لي حياة خارج عائلتي، وكنتُ أعتقِد أنّ هذه هي حياة كلّ زوجة وأمّ. لكن في قرارة نفسي، كنت أعلَم أنّ لا هويّة خاصّة بي، فأنا إبنة فُلان وزوجة فُلان وأمّ فُلان... فأين هي نجاح وسط كلّ تلك الألقاب؟ أين هي؟؟؟
وبدأَت حماتي بالبكاء، فواسيَتُها وواسَيتُ أمّي التي بكَت هي الأخرى، وبَكَينا نحن الثلاثة... ثلاثة نساء تبحَثنَ عن ذاتهنَّ وسط مُجتمع لا يعترِفُ بوجودنا إلّا مِن خلال ما نُقدِّمه للآخَرين. مسحَت حماتي دموعها وقالَت إنّها ستُكلِّم ابنها ولن تقبَل بعد ذلك أن يبقى مُتفرِّجًا، بل أن يُشارِك بالمسؤوليات المنزليّة والعائليّة.
في اليوم التالي، قبِلتُ اعتذار زوجي حين هو قدَّمَه لي، ثمّ جلَسنا سويًّا وتقاسَمنا الاعمال أخيرًا لِنصِل الى توازن يُرضي الجميع. ولن أشكُر القدَر كفاية أن كسرَت أمّي رِجلها!
حاورتها بولا جهشان