تركتُ عائلتي ورحلت (الجزء الثاني)

تقابلتُ وجمال ابني في مكان عام، في مقهى وسط مُجمَّع تجاريّ، لأنّه لَم يرِد الذهاب إلى بيتي قَبل أن نتحدّث سويًّا ويحصل على أجوِبة على تساؤلاته التي راودَته سنوات طويلة. وحين هو وصَلَ، وقفتُ بسرعة واقترَبتُ منه لأُعانِقه، لكنّه أبعدَني بقوّة قائلًا: "لا... ليس الآن". جلَسنا وسادَ صمتٌ طويلٌ، ثمّ بدأتُ بالكلام:

ـ لن أُقدِّم لكَ الأعذار، بل الاعتذار... فالذنب ذنبي كلّيًّا... لَم أكن أهلًا لأكون زوجًا وأبًا.

 

ـ لكنّكَ الآن زوج وأب... ما الذي تغيّرَ؟

 

ـ كلّ شيء، صدِّقني.

 

ـ وهل زوجتكَ وابنكَ أفضل منّا؟

 

ـ أبدًا... أنا الذي صرت أفضل، فلقد تغيّرتُ بعد أن حصَلَ لي الحادِث.

 

ورويتُ له ما حدَثَ وكيف تعرّفتُ على ديانا في المشفى. إلّا أنّه قال:

ـ تقولُ إنّكَ تغيّرتَ... لماذا لَم تعُد إلينا إذًا؟

 

ـ الأمر مُعقَّد يا حبيبي... فأنا وأمّكَ لسنا لِبعضنا. ستفهم تلك الأمور حين تكبر.

 

ـ وأنا، ما ذنبي؟ كان بإمكانكَ أن تُطالِب برؤيتي وقضاء الوقت معي، فأنت أبي.

 

ـ أنتَ على حقّ، لكنّني لَم أعرِف كيف وماذا أفعل... خفتُ مِن ردّة فعلكَ وأمّكَ. فضّلتُ ترك الموضوع للوقت ولَم أكن مُخطئًا، فها أنتَ هنا... وأُريدُكَ في حياتي.

 

ـ بعدما صِرتُ مُراهِقًا؟ أين كنتَ عندما كنتُ بحاجة إليكَ؟

 

ـ أنا آسِف، صدِّقني... دَعنا نبدأ مِن جديد، ما رأيكَ؟

 

ـ عليّ التفكير في الأمر والتشاور مع أمّي.

 

ـ كيف هي أمّكَ؟ بخير؟

 

ـ خلتُكَ لن تسأل! لا، ليست بخير، فهي تشكو مِن أمراض عديدة، المسكينة.

 

ـ كيف يُمكنُني المُساعدة؟

 

ـ كان يجدرُ بكَ مُساعدتها آنذاك، بدَلًا مِن أن تتركها مِن دون شيء.

 

ـ هذا ليس صحيحًا! فلقد دفعتُ النفقة التي أمَرت بها المحكمة حتّى آخِر قرش وخلال سنوات طويلة!

 

ـ بل ترَكتنا في القِلّة! على كلّ الأحوال، أُريدُ وضع كلّ ذلك ورائي الآن، وأن أبدأ مِن جديد معكَ يا ... بابا.

 

ـ حبيبي جمال! كَم أنا سعيدٌ لِسماعكَ تلفظُ هذه الكلمة! تعالَ إليّ لأضمُّكَ إلى صدري!

 

عانَقتُ ابني البِكر مُطوّلًا، أمّا هو، فوضَعَ يدَيه بيني وبينه. لَم آبَه للأمر، فكنتُ أعلَم أنّه بحاجة إلى الوقت ليطمئنَّ لي.

مضى بعض الوقت حاولتُ خلاله التكلّم مع زوجتي السابِقة لتُساعدَني على استرجاع حبّ ابني لي، إلّا أنّها لَم تُجِب قط. كنتُ أُدرِك أنّني آلَمتُها كثيرًا بخيانتها وتركها، لكنّ السنوات التي مرَّت كانت كافية لتنسى بعض الشيء ما فعلتُه بها، أو هكذا إعتقدتُ.

في المرّة التي تلَت، زارَنا جمال في البيت، وتعرَّفَ على ديانا وصغيري الذي كان قد بلَغَ السنتَين مِن عمره. إستقبَلَته زوجتي بفرَح ومحبّة لكنّه لَم يُبدِ أيّ تعاونٍ معها، بل بقيَ صامِتًا يُحدِّق في أخيه الصغير. تناوَلنا وجبة الغداء سويًّا، وأخبرتُه مئة قصّة لأُسلّيه، مِن دون جدوى. بعد رحيله، طمأنَتني ديانا بأنّه بحاجة إلى المزيد مِن الوقت وعليّ أن أكون صبورًا. يا للمرأة العظيمة!

تتالَت الزيارات وبدأ جمال بالتفاعل معنا، خاصّة مع أخيه، فبدأ يُلاعِبه بعض الشيء، لكنّه بقيَ مُتحفِّظًا معي ومع زوجتي. رأينا أنّ الأمور بدأَت بالتحسّن فترَكنا جمال يتأقلَم على سجيّته.

صَمْت نجوى كان مُقلِقًا، إذ أنّني لَم أعرِف ما موقفها مِن تقرّب ابننا منّي ومِن عائلتي. كنتُ أودُّ لو أنّها تُبارِك علَنًا هذا التقرّب، وتُريحُ قلبي وتعلَم كَم أنّني نادِم على أفعالي آنذاك. فبالفعل لَم أكن الشخص نفسه الذي عاشَ حياة مُنحلّة مليئة بالأنانيّة، وأرَدتُها أن تُصدِّق ذلك. ربّما هي خافَت أن أؤذي جمال بالابتعاد مُجدّدًا عنه، لكنّ ذلك لَم يكن ليحصل أبدًا، خاصّة بوجود ديانا التي أرادَت بالفعل أن يلتَمَّ شَملي مع ابني. كنتُ أعي مدى تمسّك زوجتي السابِقة بابنها، فربما خافَت أن يبتعِدَ عنها بسببي. آه، لو أنّها ترضى فقط بالتكلّم معي، لأرَحتُ بالَها مِن كلّ مخاوِفها.

قَبِلَ جمال أخيرًا دعوتي بقضاء فرصة نهاية الأسبوع معنا، ففكرة أن ينام ابني البِكر في بيتي كانت بمثابة حُلم، فذلك عنى أنّنا عُدنا عائلة واحِدة.

وصَلَ جمال ومعه حقيبة صغيرة وضعَها في غرفة أخيه الصغير التي كان سيتشاركها معه، أليس ذلك ما يفعله الأخوة؟ تناوَلنا وجبة العشاء سويًّا وراحَ كلّ منّا إلى غرفته. تكلَّمتُ وديانا عن ذلك الحدَث العظيم ثمّ خلَدنا إلى النوم.

وقرابة الساعة الثانية فجرًا، إستيقَظتُ فجأة لأرى جمال واقِفًا قُبالتي ويُحدِّق بي وهو يلهث بشكل غريب. لزِمَتني ثوانٍ طويلة لأفهم ما يجري، فسألتُه لماذا أتى وماذا يُريد. لكنّه لَم يجِب، بل عادَ بصمت إلى غرفته. إستَيقظَت ديانا بدورها، فأخبرتُها ما جرى وهي قالَت إنّ ابني شعَرَ حتمًا بالقلَق، فتلك كانت ليلته الأولى في مكان غريب عنه. وافقتُها الرأي وعُدنا إلى النوم.

في الصباح وجدتُ جمال في أحسن حالاته إذ أنّه بدا لي فرِحًا أثناء وجبة الفطور. بدأنا نتشاوَر عمّا سنفعله في اليوم نفسه واليوم الذي سيلي، فقرَّرنا أن نذهب إلى المُنتزه ونأخذ ألعابًا وكلّ ما يلزم لنتسلّى. حضَّرَت ديانا سندويشات لذيذة وركِبنا السيّارة. قضَينا يومًا جميلًا ومليئًا باللعِب والضحك، وعدنا في المساء مُنهَكين. كنتُ سعيدًا أنّ جمال بدأ يعتاد علينا ويستمتِع بوقته معنا، ورأيتُ الأمر وكأنّه إنجاز كبير.

لكن في تلك الليلة، حدَثَ الشيء نفسه، أيّ أنّني استيقَظتُ مُجدّدًا لأرى ابني البِكر واقِفًا قرب سريري وهو ينظرُ إليّ بغرابة. وبالرغم مِن الظلمة الحالِكة، فهمتُ ما أرادَه لأنّني رأيتُ بِيَده سكّينًا كبيرًا. شعَرتُ بِدَمي يتجمَّد في عروقي، وخفتُ ليس فقط على نفسي، بل على زوجتي وابني.

إدّعَيتُ أنّني نائمٌ، بينما كان يُحاوِل عقلي المُثقَل بالنوم أن يجِدَ طريقة للإفلات مِن ضربة سكين محتومة. لكن بلحظة، ترَكَ جمال الغرفة. خفتُ أن يكون قد قرَّرَ قَتل أخيه الصغير، فركضتُ وراءه على رؤوس أصابعي إلى الغرفة التي ينام فيها الولدان، لأجِدَ فقط صغيري. فتّشتُ على جمال فرأيتُه جالِسًا في الصالون في الظلام. كان السكّين لا يزال في يَده، فاقترَبتُ بهدوء وجلَستُ قبالته، بعيدًا كفاية لأتفادى أيّ هجوم عليّ. قلتُ له:

ـ لماذا يا جمال؟

 

ـ لأنّني وعَدتُ أمّي بأنّني سأنتقِمُ لها منكَ.

 

ـ بِقتلي؟

 

ـ أجل.

 

ـ وهل هذه فكرتكَ أم فكرة أمّكَ؟

 

ـ هي ربَّتني على قتلكَ يوم أراكَ، ولقد وعدتُها بأنّني سأفعل... إنّه دَين عليّ، بعد أن ربَّتني لوحدها في القِلّة.

 

ـ أعودُ وأقولُ لكَ إنّني كنتُ أدفَع لها نفقة شهريّة، وبإمكاني إثبات ذلك.

 

ـ هي قالَت إنّكَ لَم تدفَع لنا ولو قرشًا واحِدًا.

 

ـ في الصباح، سأريكَ صوَرًا عن التحويلات.

 

ـ لقد وعدتُها... أنا رجُل وليس بإمكاني التراجع. وهي تنتظِرُ منّي مُكالمة لأزِفَّ لها الخبَر.

 

ـ ولماذا لَم تقتلني؟ لماذا لَم تفِ بوعدكَ؟ فلقد كانت أمامكَ فرصتان.

 

ـ لَم أستطِع، فلستُ قاتِلًا... ولقد أحبَبتُ التواجد معكم جميعًا.

 

ـ إسمَعني جيّدًا... أنتَ لستَ رجُلًا بعد، أنتَ مُراهِق غاضِب ولكَ كلّ الحقّ لِِتغضَب منّي. لكنّ الناس تتغيّر أحيانًا وأنا أفعلُ جهدي للتكفير عن ذنبي. أمّكَ كذِبَت عليكَ بشأن المال والله يعلَم ماذا كذِبَت أيضًا بشأني. وأسألُ نفسي أيّ أمّ تُضحّي بابنها الوحيد لتنتقِمَ مِن زوجها السابِق، فلو قتلتَني لقضَيتَ سنوات طويلة في سجن الأحداث بين المُجرمين الحقيقيّين. الكُره يُعمي قلب صاحبه ويُنسيه مبادئه ويُفقِده عقله.

 

ـ لستُ قاتِلًا.

 

ـ أعلمُ ذلك، صدِّقني... أعطِني السكّين الآن وسنتكلّم بالأمر في الصباح ونجِد حلًّا نهائيًّا لهذه المسألة، فعليّ حماية عائلتي.

 

أعطاني جمال السكّين واستلقَينا كلّ منّا على أريكة بِصمت. طلَعَ الفجر علينا مِن دون أن ننام أو نتكلّم. ثمّ أخذتُ جمال في سيّارتي ورحتُ أطرقُ باب نجوى التي فتحَت لنا لأنّها لَم ترَني مع ابنها. وأوّل شيء قالَته له كان: “لم تتمّ المُهِمّة؟؟؟". أزَحتُ ابني جانِبًا وصرختُ بها:

- أيّ أمّ أنتِ؟؟؟ تُربّين ولَدًا على الكره ثمّ تُرسلينه للقتل؟؟؟ ألا تهمّكِ صحّته النفسيّة والعقليّة ومصيره بعد أن يدخل السجن؟؟؟

 

- وأنتَ؟ هل همَّتكَ صحّته النفسيّة والعقليّة حين ترَكتَه؟ الآن تأتي وتلعَب دور الأب الشجاع؟

 

- صحيح أنّني كنتُ جبانًا وخائنًا، لكنّني اليوم أُحاوِل إصلاح ما فعلتُه، لأنّ الناس تستحِقُّ فرصة ثانية، لكنّني لن أزِجَّ يومًا ولَدي في السجن لأنتقِمَ مِن أحَد. ظنَنتُكِ أفضَل منّي، لكنّ قلبكِ بِسواد الليل. فلقد أقنعتِ ابننا بأنّني تركتُكما في القِلّة، ماذا فعلتِ بالمال الذي أرسلتُه لكِ لسنوات؟ أجيبي!

 

سكتَت نجوى ففهِمَ جمال أنّها كذِبَت عليه، وكان بإمكانه أن يحظى بحياة مُريحة كلّ تلك السنوات، وأنّه كادَ أن يتحوّل إلى قاتِل ولاحقًا إلى سجين. فاستدارَ نحوي وقالَ لي: “بابا… هيّا بنا نعودُ إلى بيتنا".

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button