زوَّجَني أبي لذلك الرجل البغيض لأنّه كان مديونًا له بمبالغ استحالَ عليه تسديدها. كيف تجمَّعَ ذلك الدَين عليه؟ بِلَعِب المَيسر والصرف على نساء الليل. ولَم تستطِع أمّي منع تلك الزيجة كما لَم تستطِع منَع زوجها مِن خيانتها وصرف مالنا ومال البيت ومال الناس. كان بإمكاني رفض الذي اسمه خالِد، لكنّ ذلك كان سيُكلّفُني كلّ شيء، إذ أنّ والِدي أقسَمَ بأنّه سيرميني في الشارع إن رفضت. ومِن ملامحه ونبرة صوته، علِمتُ أنّه جدّيّ للغاية.
يوم زفافي، بكيتُ كلّ دموعي، وكذلك خلال تأدية واجباتي الزوجيّة بعد الفرَح، وأستطيع القول إنّها كانت أسوأ تجرِبة مرَرتُ بها في حياتي.
بعد ذلك، صارَت حياتي سلسلة لحظات بشِعة مع رجُل "ربِحَني" في المَيسر ونساني بعد أن حصَل عليّ. فهكذا هم المُقامِرون، يركضون وراء إثارة الربح وليس الجائزة بِحَدّ ذاتها. وجدتُ نفسي حامِلًا، وشكرتُ ربّي ألف مرّة حين سقَطَ الجنين مِن تلقاء نفسه، فكان الأمر وكأنّ ذلك الجنين علِمَ أنّه لا يجِب أن يُبصِرَ النور بيننا. بعد ذلك لَم أحمِل مِن جديد، لأنّ خالِد وجَدَ لنفسه عشيقة ولَم يعُد يلمسني، بل أبقاني كخادِمة له. قمتُ بِعمَلي في البيت بكلّ طيّبة قلب ما دمتُ لا أتحمّل لمسات ذلك الإنسان القذِر.
مرَّت حوالي السنتان على زواجنا حين قرَّرَ خالِد أنّني صرتُ عبئًا عليه فطلّقَني، وأعترفُ أنّه كان أسعَد يوم في حياتي! لكنّني لَم أعُد إلى البيت بعد الطلاق، فكيف لي أن أعيشَ بين أب بلا أخلاق وأمّ لا تستطيع أن تُدافِع عن ابنتها وشرَفها؟ أخذتُ المال الذي يعودُ لي بعد الطلاق وبعتُ القليل مِن الحُلى الذي اشتراها لي خالد عندما كان يهواني، واستأجرتُ شقّة صغيرة وسكَنتُ فيها لوحدي.
والأمر الذي ساعدَني على الوصول إلى ذلك القرار كان أنّني لَم أترك عمَلي تمامًا حين تزوّجتُ، بل صِرتُ أعمَل عن بُعد، وذلك كان شرطي الوحيد لأقبَل بخالِد. فاستطعتُ العودة إلى الشركة بعد الطلاق والعَيش مِن الذي أجنيه ومُمارسة استقلاليّتي.
لكنّ والِدي لَم ينتهِ منّي، إذ انّه بقيَ يلعَب المَيسَر ويغرَق بالديون، فرأ أنّه يستطيع الاستفادة منّي مُباشرة. لِذا هو بدأ يتّصِل بي ليُعربَ عن اشتياقه لي ويُقنعَني بالعودة إلى البيت، على الأقل مِن أجل "المسكينة أمّي".
ما لَم يكن يعلمه، هو أنّ والدتي باركَت استقلالّيتي وطلبَت منّي أن أنسى أمرها وأبي وأُتابِع حياتي كما أشاء. فحيلته لَم تنجَح، وكلّ ما قلتُه له كان: "عليكَ أن تخجَل مِن نفسكَ... كلّ ما يهمّكَ هو إيجاد المال لانحرافكَ... بِعتَني لرجُل يُشبهكَ بدلًا مِن إيجاد عريس لي يكون أفضل منكَ ليُعطيني حياة مُختلِفة عن الحياة التي حظِيَت بها أمّي. فأنا أخجَل مِن أبٍ مثلكَ! إبتعِد عنّي مِن فضلكَ ولا تُحاوِل استغلالي مِن جديد!".
بدأ أبي بالبكاء عبر الهاتف، لكنّني علِمتُ أنّها دموع زائفة، فأقفَلتُ الخط بوجهه.
حياتي لوحدي كانت بالفعل مُفيدة لتخطّي ذلك الزواج المُقرِف. ساعدَني زملائي بالعمَل بالترفيه عنّي، فخرَجنا بنزهات طويلة إلى القرى النائية، ورحنا إلى المطاعم فأكَلنا ورقَصنا، وسرعان ما إستعَدتُ نفسي القديمة، أيّ عُدتُ امرأة شابّة مُفعمة بالحيويّة والفرَح.
لكنّ أمّي اتّصلَت بي ذات يوم لتُخبرَني أنّ والِدي أُصيبَ بأزمة قلبيّة حادّة خلّفَت لدَيه شلَلًا نصفيًّا وأنّ عليّ رؤيته، فهو يُطالِبُ بي باكيًا. للحقيقة، لَم أعرِف ماذا أفعل، فالأديان توصي كلّها بإكرام الوالدَين، والعرف يدفعُنا إلى إبقاء الصِلة بيننا وبينهما، على الأقلّ في الحالات الحرِجة أو وقت الحاجة.
لِذا ركِبتُ سيّارتي ورحتُ إلى البيت الذي ربيتُ فيه مِن دون أن أخبِر أمّي أنّني آتية لأنّني قرّرتُ الذهاب إليهما في آخِر لحظة. قرَعتُ جرَس الباب وسمعتُ صوت أقدام، ثمّ الصمت التام، وكأنّ أحَدًا ينظرُ مِن الثقب. عادَت أصوات الأقدام، لكن في الاتّجاه المُعاكِس قبل أن تفتَح لي أمّي وتُعانِقني باكيةً لشدة فرَحتها بقدومي.
أدخلَتني والدتي فسألتُها أين أبي وهي أجابَت: "أين تُريدينه أن يكون؟ في غرفته وسريره طبعًا". نظرتُ إليها بِرَيبة، فكان مِن الواضح أنّها لا تقول الحقيقة، أوّلًا مِن ملامح وجهها، وثانيًا بسبب الذي حدَثَ وأنا عند الباب.
قصدتُ غرفة أبي ووجدتُه نائمًا، لكنّ جفونه المُغلقة كانت تُرَفرِفُ وهو يُحاوِل إبقائها مُغمَضة. إرتسمَت بسمة على وجهي لِسخافة المشهد، فقلتُ له: "إفتَحَ عَينَيكَ يا بابا، فأنا أعلَم أنكَ لستَ نائمًا". عندها فتَحَ عَينَيه وصرَخَ: "إبنتي، إبنتي! لقد عُدتِ؟!؟". لَم تغشّني المسرحيّة، خاصّة بعدما تفقَّدتُ شبشب والِدي ووجدتُه ساخِنًا، مع أنّ والدتي كانت قد أكَّدَت لي أنّ زوجها لا يُبارِح الفِراش لأنّه غير قادِر على المشي على الإطلاق. فتأكّدتُ أنّه وأمّي يكذبان عليّ، إلّا أنّني أردتُ أن أعلَم ما يُريدانه منّي بالتحديد ليختلِقا قصّة الأزمة القلبيّة والشلَل. فجلستُ قُبالة أبي ومسَكتُ بِيَده ونظرتُ إليه نظرة ابنة اشتاقَت لأبيها وقلتُ له:
ـ ما الذي أستطيع فعله مِن أجلكَ يا بابا؟
ـ يا حبيبتي... لطالما كنتِ ابنة مُخلِصة... كَم أنا نادِمٌ على تزويجكِ لذلك الرجُل!
ـ عفى الله عمّا مضى... دَعنا في الحاضِر الآن.
ـ أجل، أجل، عفى الله عمّا مضى... لا أُريدُ شيئًا منكِ يا إبنتي العزيزة، لكن أمّكِ هي التي لدَيها طلَب خاص.
إستدَرتُ نحو والدتي وسألتُها عمّا تُريدُه منّي، فقالَت لي مِن دون أن تنظُر إليّ، وبصوت يرتجِف:
ـ البيت... سنخسِره قريبًا.
ـ كيف؟؟؟
ـ لقد... لقد رهَنَه أبوكِ بالمَيسَر.
ـ وما شأني أنا؟؟؟ إن كنتِ تطلبين المال فـَ...
ـ لا... بل فقط لو... أعني لو نستطيع العَيش معكِ.
ـ ماذا؟ في شقّتي الصغيرة؟؟؟ ولماذا لا يردّ أبي مال الرهن؟
ـ المبلغ كبير للغاية ويستحيل أن... ألا ترَين حالته؟
ـ كفّي عن المُدافعة عنه، وأرجوكِ يا ماما، كفّي عن الكذِب عليّ، فمِن الواضِح أنّ ذلك المُقامِر لَم يُصَب بأيّة أزمة قلبيّة.
عندها تدخَّلَ أبي:
ـ كيف تتكلّمين عنّي هكذا؟!؟ أنا أبوكِ!
ـ لا... لستَ أبي، بل فقط الرجُل الذي ساهَمَ بتلقيح أمّي لِتَلِدني. الأب لا يبيع حُلى عائلته والأثاث، ولا يبيعُ ابنته الوحيدة، ولا يرهنُ المنزل الذي يأويه وزوجته مِن أجل ملذّاته وإدمانه. فالأب يحمي عائلته ويدافِع عنها بِروحه. قُم مِن السرير أيّها المُنافِق!
أزَحتُ عنه الغطاء ومسكتُه بِذراعه وسحبتُه مِن السرير بالقوّة، فكاد أن يقَعَ أرضًا، فقام ووقَفَ على رِجلَيه، كأيّ إنسان صحيح. ثمّ نظَرتُ إلى أمّي وقلتُ:
ـ وأنتِ، أيّتُها المرأة الضعيفة! أنتِ شريكته في كلّ شيء! لا تُجادِلي، فالذي يقبَل ويُدافِع ويتواطأ هو شريك في الجريمة. قبِلتِ بِبَيعي وقبِلتِ باستغلالي لاستقبالكما في مسكَني ليُكمِل زوجكِ بِلعِب المَيسَر. إن كنتِ بلا شخصيّة وقرار، فهذا شأنكِ، وليس مِن شأني! إبقي معه ودافِعي عنه ومثّلي معه كلّ الأدوار، لكن اعلَمي أنّكِ لستِ أمًّا، فالأم هي الملجأ الأمين لِوَلدها، فهي تحميه مِن الأذى بأظافرها وأسنانها! فلقد رمَيتِني بِفَم الأسد لأنّكِ جبانة! لا أُريدُ أن أسمَع شيئًا عنكما أو منكما... فمنذ هذه اللحظة أنا يتيمة الأبوَين!
لَم أستمِع لتوسّلات أمّي أو توبيخات أبي ورحَلتُ مِن دون أن أنظر ورائي. كنتُ غاضِبة كثيرًا مِن أمّي، فأبي إنسان حقير منذ الأوّل، لكن أن تدخل والدتي بخطّة زوجها بعد أن رأت كيف كانت حياتي مع زوجي السابِق، فلا!
ولدى وصولي إلى شقّتي، أخذتُ حمّامًا ساخِنًا ثمّ استلقَيتُ على الأريكة وغرِقتُ في النوم. ولدى نهوضي، كنتُ إنسانة أخرى، حرّة تمامًا، وقادِرة على العَيش مِن دون أن أشعر بالذنب حيال أحَد، فإن كان عليّ إكرام أبويَّ، عليهما أوّلًا أن يكونا أبوَين بالفعل!
حاورتها بولا جهشان