قد تظهر نوبة الهلع فجأةً ومن دون سابق إنذار، محوّلةً لحظةً عاديةً إلى تجربةٍ مليئةٍ بالخوف الشديد والأحاسيس الجسدية المُرهِقة. وبينما يظنّ الكثيرون أنّهم يُصابون بنوبةٍ قلبيةٍ أو يواجهون خطرًا مُحدقًا، فإن نوبة الهلع في الواقع هي نتيجةٌ لتفعيل الدماغ استجابَتِه الطارئة حتى في غياب أيّ تهديدٍ حقيقيّ. في غضون دقائق، يتفاعل الجسم كما لو أنّ البقاء على قيد الحياة مُهدَّد، مُسبّبًا عوارض مثل تسارع ضربات القلب، والدوخة، والارتعاش، وضيق التنفس، والشعور بضيقٍ في الصدر، وإحساسٍ مُلحٍّ بأنّ شيئًا فظيعًا على وشك الحدوث. وفي ما يلي، سنشرح لكم ما يحدث في الدماغ أثناء نوبة الهلع.
الدماغ يخطئ في تمييز الأمان عن الخطر
من أولى الأحداث التي تحدث أثناء نوبة الهلع هو أنّ الدماغ يُخطئ في تحديد الموقف على أنّه مُهدّد، وينجم عن هذا الإنذار الكاذب، شعورًا بالتوتّر، أو أفكارًا مقلقة، أو ذكرى مؤلمة، أو أحيانًا من دون سبب واضح على الإطلاق. مع أنه لا يوجد خطر حقيقي، إلا أن الدماغ يتفاعل كما لو أن الشخص يواجه موقفًا يُهدد حياته. ولأنّ الدماغ يعتقد أنّ التصرف الفوريّ ضروريّ، فإنّه يُحوّل تركيزه من التفكير الهادئ إلى البقاء، مُهيئًا الجسم بأكمله إما لمواجهة التهديد المُتصوّر أو الهروب منه.

اللوزة الدماغيّة تُطلق الإنذار
يوجد في عمق الدماغ تركيب صغير يُسمى اللوزة الدماغيّة، يودّي دورًا رئيسيًّا في معالجة الخوف واكتشاف الخطر. أثناء نوبة الهلع، تُصبح اللوزة الدماغيّة نشطة للغاية وتُرسل إشارات عاجلة تُشير إلى وجود خطب ما. وتكمن المشكلة في أنّ هذا الإنذار مبني على تفسير خاطئ وليس على حال طوارئ حقيقية. ومع ذلك، بمجرد تنشيط اللوزة الدماغية، يستجيب باقي الدماغ والجسم كما لو أنّ التهديد حقيقيّ.
استجابة الكر والفر تسيطر
بعد تلقّي إشارات من اللوزة الدماغيّة، يُفعّل الدماغ استجابة الكرّ والفرّ عبر الجهاز العصبيّ، فتُفرز الغدد الكظريّة هرمونات التوتّر، وخاصة الأدرينالين، في مجرى الدم. تزيد هذه الهرمونات من معدل ضربات القلب، وترفع ضغط الدم، وتُسرّع التنفس، وتُوجّه المزيد من الدم نحو العضلات، مما يجعل الجسم جاهزًا للتحرك الفوري عند الحاجة. على الرغم من أن هذه التغيرات مفيدة أثناء حالات الطوارئ الحقيقية، إلا أنها تُصبح مُرعبة عندما تحدث من دون وجود تهديد حقيقي.
يُصبح الجزء المُفكّر من الدماغ أقل نشاطًا
بينما يُركّز الدماغ على البقاء، تُصبح قشرة الفص الجبهي، المسؤولة عن التفكير المنطقي واتخاذ القرارات وتقييم المواقف بهدوء، أقل نشاطًا، ونتيجة لذلك، يُصبح من الصعب جدًا طمأنة النفس بأن كل شيء على ما يُرام. حتى عندما يدرك الشخص عقلياً أنه في أمان، فإن الجزء العاطفي من الدماغ يرسل إشارات أقوى بكثير، مما يجعل السيطرة على الخوف مستحيلة في تلك اللحظة.
تغيرات التنفس تؤثر على الدماغ
يبدأ الكثيرون بالتنفس بسرعة أثناء نوبة الهلع من دون أن يدركوا ذلك، وذلك يُخفّض مستوى ثاني أكسيد الكربون في الدم، فتضيق الأوعية الدمويّة التي تغذّي الدماغ قليلاً، ممّا يقلّل تدفّق الدم لفترة وجيزة. ويُسبب ذلك عوارض مثل الدوخة، والدوار، وتشوش الرؤية، وتنميل في اليدين أو الوجه، والشعور بالانفصال عن الواقع.

هرمونات التوتر تُبقي حال التأهّب مستمرّة
الأدرينالين ليس الهرمون الوحيد المُشارك، إذ يُنشّط الدماغ أيضًا محور الغدة النخامية الوطائية الكظرية، وهو نظام يُفرز الكورتيزول، وهو هرمون توتر مهم آخر. يُساعد الكورتيزول الجسم على البقاء مُتيقظًا أثناء المواقف المُجهدة، ولكن أثناء نوبة الهلع، يجعل الشخص يشعر بالأرق والتوتّر وعدم القدرة على الاسترخاء.
يُولي الدماغ اهتمامًا بالغًا لكل إحساس
أثناء نوبة الهلع، يُصبح الدماغ شديد الحساسية للتغيرات الجسدية التي تحدث في جميع أنحاء الجسم، فيبدو تسارع طفيف في ضربات القلب، أو شعور عابر بالدفء، أو تغير بسيط في التنفس، أمرًا خطيرًا فجأة. بدلًا من تجاهل هذه الأحاسيس الطبيعية، يُفسّرها الدماغ على أنها دليل على وجود مشكلة خطيرة. وهذا يزيد من القلق، ويُقوي نوبة الهلع، ويجعلها تبدو أكثر حدة.