تتأمّل الفنّانة الإماراتية سارة العقروبي في ملتقى الثقافة، والهوية، والاكتشاف. تدعو أعمالها إلى استكشاف الذات الخفية، وتشجّع المشاهد على قراءة تتجاوز السطح الظاهر للمادية والتأثير، إذ تغوص في الهوية العربية من منظورٍ متعدّد الثقافات.
يمكن أن يكون الفنّ شكلاً من أشكال العلاج. فهو يدعو إلى التأمّل الذاتي، ويقدّم طرقاً جديدة لرؤية الآخرين، ويتحدّى المفاهيم المسبقة من خلال دعوتنا إلى النظر إلى ما وراء الظاهر. يرتكز عمل العقروبي الإبداعي على هذا النوع من التأمّل الذاتي. تقول: "لطالما انجذبتُ إلى ما أسمّيه "الهامش"، تلك الحواف التي لا تستقرّ فيها الأمور تماماً. أنا مهتمّة بالتقاطع المفاهيمي والمادي، وكيف تلتقي الهويات، والجغرافيا، واللغات البصرية، وكيف تقاوم بعضها بعضاً أحياناً".
في معرض "مشهد الذاكرة" في أبو ظبي، تنضمّ العقروبي إلى ستة فنّانين عرب معاصرين يستكشفون كيف تُشكّل البيئة والتاريخ، الهوية. يتجه كلّ فنّان إلى ذاته، مستلهماً من ذاكرته الشخصية لبناء لغة بصرية تدعو إلى التأمّل. بالنسبة للعقروبي، تُصبح هذه العملية وسيلةً للكشف عن الذات الخفية من خلال التجربة المعاشة. وتوضح قائلةً: "قد يبدو ذلك كالهوية العربية في مواجهة الهوية الغربية، أو الحدود في مواجهة المكان، أو التجسيد في مواجهة التجريد، أو حتى التوتّر بين التوافق والوجود المخالف. ما يهمّني ليس حلّ هذه التناقضات، بل البقاء ضمنها، وفهم معنى الوجود في تلك المساحة البينية، وكيف نختار التعبير عن أنفسنا انطلاقاً منها".
يتشكّل عملها من خلال وعي متواصل تكوّن خلال نشأتها في مختلف أنحاء الدول العربية. وبصفتها فنّانة، وباحثة، ومعلّمة متعدّدة التخصّصات، تستمدّ من تجربتها الشخصية لإنتاج أعمال فنّية تلقى صدىً واسعاً في سياق ثقافي أوسع. تقول: "عندما ينشأ المرء في بيئة متعدّدة الثقافات، وخاصةً بيئة تتداخل فيها الهويات وتختلط باستمرار، يصبح من الصعب تحديد موقعه بوضوح ضمنها. لذلك أصبح عملي بشكلٍ طبيعي نوعاً من الاستقصاء المستمرّ".

يتميّز عمل العقروبي بعمقه الشخصي وقدرته على التواصل مع شريحة واسعة من الجمهور، حيث تركّز على العملانية أكثر من الموضوع. ويتّسم عملها بالتراكب، والنحت، والكشف، مع انفتاح على عنصر المفاجأة. تقول: "أسمح للمفاجأة بالظهور. أدع المادة تتفاعل، وأدع الصدف تحدث، وأتابع تلك اللحظات بدلاً من تصحيحها. يكمن جوهر العمل في هذا التوتّر بين ما هو مقصود وما هو حدسي". يعكس هذا التوازن المساحة المفاهيمية التي تستكشفه، حيث تتناول مواضيع مثل الأرض، والانتماء، والامتثال، والرفض من خلال تفاوض دائم بين السيطرة والحدس.
ساهمت سنوات طفولتها المبكرة في تشكيل هذا النهج الفطري. ففي صغرها، سعت إلى إيجاد طرق للتعبير عن أفكارها الداخلية وفهم مكانتها في العالم. ولا تزال هذه النزعة تُؤثّر في أعمالها حتى اليوم. تقول: "أسلوب عملي الحالي، ولا سيما طابعه الحالم الذي يكاد يكون سريالياً في بعض الأحيان، يبدو امتداداً لتلك الغريزة المبكرة".

تقدّم ثلاثة أعمال رئيسية نظرة ثاقبة على سردها الفنّي المتطوّر. يستكشف عملها المسمّى Behind Her Eye مفهوم الأنوثة ككيان متعدّد الطبقات وفي حركة دائمة، يقاوم التعريفات والتحديدات الثابتة. أما عملها The Tiles Were Black and White، فيعكس زيارة شخصية عميقة إلى سوريا، حيث رثت فقدان كبيرات عائلتها. وتضيف: "أراه انعكاساً للحزن، ولكنّه أيضاً إرث، يبيّن كيف تُحمل الذاكرة، وتُشوّه، وتُعاد صياغتها مع مرور الوقت". وفي عملها Slit، فإنّ الأسطح المتداخلة تقود المشاهد عبر مساحة تتشكّل بفعل التوتّر. ثمة نوع من التوتّر بين الانقطاع والاستمرارية. يرتبط هذا التوتّر بالجسد الأنثوي، ليس حرفياً، بل بكيفية تجربته وإدراكه، وكيف يتجزّأ في كثير من الأحيان. يصبح الشقّ وسيلةً للتفكير في الكشف والإخفاء في آنٍ واحد.
تتجاوز الأسئلة التي تطرحها العقروبي البُعد الشخصي لتشمل سياقاً ثقافياً أوسع. وهي أسئلة عصية على الإجابات السهلة. تتساءل: "ما الذي يوجد وراء ما هو مرئي، وراء ما هو مسموح، ومن يملك الحق في وضع هذه الحدود؟". إنّه سؤال يبقى عالقاً، يدعو إلى التأمّل طويلاً بعد مشاهدة العمل.

يضمّ معرض "مشهد الذاكرة" في غاليري Artbooth أبو ظبي أعمال جيلبير حلبي، وهانيبال سروجي، وحسين بعلبكي، وريتشارد هيرنز، وثريا أبو نبعة، وسارة العقروبي. يستمرّ المعرض حتى ٢٦ أبريل ٢٠٢٦.