يا ليتَني علمت بحقيقة زوجتي قبل زواجنا

بعدما تطلّقَت شقيقتي مِن زوجها بسبب غشّه وكذبه، تغيّرَت نظرتي بالنساء المطلّقات ولم أعد أعتبرهنّ مذنبات أو عديمات الأخلاق كما كان يظنّ الناس فيما مضى. فحين تعرّفتُ إلى سلمى وعلمتُ أنّها كانت متزوّجة سابقاً، لم أنزعج بل شعرتُ أنّ عليّ إحتضانها ورعايتها كما فعلتُ مع شقيقتي حين عادَت إلى منزلها الأبويّ. وكانت سلمى إمرأة فرحة وجميلة وأطفَت على حياتي طابعاً إيجابيّاً، لدرجة أنّني قررتُ أن أتزوّجها. فرِحَ لي الجميع، خاصة أنّني كنتُ قد بلغتُ الأربعين من عمري، الذي قضيتُه أهتمّ بأهلي لدرجة نسيان نفسي. ولكنّ أمّي لم تكن مرتاحة لهذه الزيجة:

 

- يا بنيّ... لماذا إخترتَ إمرأة مثلها؟ أنتَ وسيم وذكي وتشغر وظيفة عالية... كنتُ أتصوّركَ مع فتاة صبيّة...

 

- أمّي... كيف تقولين ذلك وإبنتكِ أصبحَت مطلّقة؟ هل تقبلين أن يتكلّم أحد عنها بهذا الشكل؟ إنتظرتُ طويلاً لأجد شخصاً يفهمني ويعاملني كما تفعل هي وبعد أن وجدتُها لستُ مستعدّاً أن أتخلّى عنها.

 

- وهل سألتَ عنها وعن سبب طلاقها؟

 

- هي أخبرَتني بما حصل وهذا يكفيني... أمّي... لا تفسدي عليّ فرحتي...

 

ومنذ ذلك اليوم لم تزعجني والدتي بهذا الموضوع مجدداً، خوفاً مِن أن تسبّب لي أيّ إزعاج. وتزوّجنا وسكنّا بالقرب من أهلي لكي أتابع الإهتمام بهم ولكيّ لا أضيّع وقتي في الطريق وأعود بسرعة إلى حبيبتي سلمى. عشنا قصّة حبّ جميلة وأردنا أن نتوّجها بطفل يكون ثمرة هذه العاطفة القويّة التي جمعتنا ولكن رغم قبول زوجتي للفكرة، شعرتُ بتردّد في نبرة صوتها. حاولتُ معرفة المزيد فأجابَت:

 

- أريد حقاً طفلاً خاصة إذا كان منكَ ولكن... ألا ترى أنّنا سعداء هكذا؟ أخشى أن يشغلني الولد عنكَ وأن أعطيه عاطفة أكثر مِن اللازم ويؤثّر ذلك على علاقتنا... أنتَ تعلم أنّ حياتي مع زوجي الأوّل كانت تعيسة جداً، خاصة بعدما بدأ يضربني ويخونني... أيّام أليمة خلتُ خلالها أنّني لن أكون يوماً سعيدة... وحتى بعد أن حصلتُ على الطلاق، حسبتُ أنّني سأبقى وحيدة طوال عمري... وعندما إلتقيتُ بكَ ورأيتُ كيف تعاملني، رأيتُ أخيراً الضوء في آخر النفق...لو تعلم يا حبيبي كم تعذّبتُ مع ذلك الوحش كنتَ ستفهم تردّدي في الإنجاب خوفاً مِن أن أفقد حنانكَ وتلك الفكرة تخيفني جداً.

 

- لا عليكِ، فأهلي قربنا وسيساعدونكِ على تربية طفلنا... ولكن الأمر عائد إليكِ وسأدعكِ تقرّرين... ولكن لا تنسي أنّني أصبحتُ في العقد الرابع مِن عمري ولا أريد أن يكبر الفرق بيني وبين طفلي.

 

وتعانقنا وآملتُ أن تتشجّع سلمى وتُفرح قلبي ولكنّها لم تفعل. فبعد عدّة أشهر على حديثنا، جاءت أمّي وأعربَت لي عن خشيتها بأن تكون زوجتي عاقراً. أجبتُها أنّها تريد الإستمتاع بحياتنا الزوجيّة وأنّها ستعطيني ولداً عندما تكون جاهزة وأنّني قد أكون أنا العاقر دون أن أعلم. وأخبرتُ سلمى بما قالته لي والدتي، فحزنَت كثيراً لأنّ الناس يلومون دائماً المرأة قبل الرجل. هدأتُها وقبّلتها وقلتُ لها:


- مِن السهل تكذيبهم... ليس عليكِ سوى أن تريهم أنّكِ قادرة على الإنجاب.

 

نظرَت إليّ بخوف، ثمّ ذهبَت إلى الغرفة دون أن تجيب. بقيَت سلمى حزينة بضعة أيّام، حاولتُ خلالها ترفيهها ثمّ عادَت إلى مرحها المعهود. ولكن بعد أسبوع على ذلك، وقعَت زوجتي ضحيّة حادث سير وأُدخلَت إلى المستشفى للعلاج بسبب كسور عديدة ورضوض وركضتُ كالمجنون إلى الغرفة التي نُقِلت إليها. لِحسن حظّي كانت حالتها غير مُقلقة وجاء الطبيب ليُطلعني على الوضع. أخذني جانباً وقال لي:

 

- سيّدي... زوجتكَ ليست بخطر والحمد لله... أجرينا لها عمليّة في رجلها لإصلاح الكسور وستكون بخير في غضون أيّام... ولكن هناك أمراً أظنّ أنّ عليك معرفته...

 

- يا إلهي... أخفتَني يا دكتور... تكلّم!

 

- السيّدة زوجتكَ... كيف أقول هذا... عندما وصلَت أجرينا لها طبعاً فحوصات مخباريّة عديدة وإكتشفنا أنّها تتعاطى المخدّرات.

 

- ماذا؟ هذا لا يُعقل! أنتَ حتماً مخطئ! لا بدّ أنّكم إطّلعتم على نتائج شخصاً آخراً... هذا يحصل أحياناً.

 

- أجل ولهذا السبب تاكّدنا بإعادة الفحص وأتَت النتائج مشابهة للأوّل... زوجتكَ تتعاطى الكوكايين وبصورة منتظمة.

 

وقعَ الخبر عليّ كالصاعقة وجلستُ على مقعد لشدّة إضطرابي. كيف لم أنتبه إلى شيء؟ هل يُعقل أنّ زوجتي مدمنة على المخدّرات وتعيش معي تحت سقف واحد ونتقاسم كل شيء سويّاً؟ وقبل ان أعود إلى غرفتها، طلبَ منّي الطبيب ألّا أفاتحها بشيء قبل أن تستعيد عافيتها وأنّ عليّ لاحقاً إقناعها بالإلتحاق إلى برنامج يساعدها على الإقلاع عن الكوكايين. فعندما عادَت إلى البيت واجهتُها بما علمتُ به وبعد أن بكَت مطوّلاً، قالت:

 

- كان عليّ إخباركَ بسرّي ولكنّني خفتُ أنّ تكفّ عن حبّي... بدأتُ أتعاطى المخدّرات بعد أن ساءت الحال بيني وبين زوجي السابق وإلتجأتُ إلى الكوكايين لتخفّف مِن ألمي الجسدي والنفسي وتساعدني على تحمّل ما يجري. وبعد أن حُلّت مشكلتي الزوجيّة وجدتُ أنّه مِن الصعب جدّاً الإقلاع عن المخدّر لأنّه بات في جهازي كلّه... وعندما طلبتَ منّي الإنجاب خفتُ أن يُكشف أمري أو أن يُصاب ولدي بتشوّه بسبب الكوكايين... سامحني حبيبي...

 

- حسناً ولكن عليكِ الخضوع لِبرنامج التخلّص مِن المخدّر وإلّا لن نستطيع المضي بزواجنا... وانا أعني ما أقوله!

 

ووعدَتني سلمى أنّها ستنظّف جسدها مِن السموم لأنّها لم تعد بحاجة إليها بعدما أعطيتُها كل الأسباب لتكون سعيدة ومطمئنّة ودخلَت المستشفى وخرجَت منها إنسانة أخرى. فرحتُ كثيراً لأنّني كنتُ قد خلّصتُها مِن إدمانها ولأنّني كنتُ سأحظى بعائلة مثاليّة. أو كان ذلك ما إعتقدتُه، فالحقيقة كانت أقلّ جمالاً ممّا تخيّلتُها، لأنّ زوجتي لم تكفّ عن تناول المخدّرات ولم تنوِ يوماً الإقلاع عنها ضاربة عرض الحائط إرادتي وسعادتي ومستقبلنا سويّاً. وكأنّ ذلك لم يكن كافياً، فبينما كانت سلمى في المستشفى توهمنا أنّها تريد ترك إدمانها، كان الذي يزوّدها بالمخدّرات يأتي إلى جوار المنزل ويبقى منتظراً هناك لساعات ثمّ يرحل ليعود في اليوم التالي.

 

وبما أنّني كنتُ في ذلك الوقت في مقرّ عملي، لم أعلم بما يجري حتى أن أخبرَني الناطور عن الرجل الذي سأل عن سلمى بعد أيّام مِن إنتظاره أمام المبنى. وبما أنّه غريب عنّا، إستنتجتُ أنّه المزوّد وعندما إكتشفتُ أنّ زوجتي عادَت إلى عادتها، سألتُها عن هويّته فأقسمَت أنّها لاتعرفه وقد يكون أحد أقرباء صديقة لها. عندها خطرَ ببالي أن أفعل ما كان عليّ فعله قبل الزواج، أيّ السؤال عن زوجتي عند مَن كان يعرفها وهكذا حصلتُ على معلومات عن زوجها السابق وقصدتُه في مكان عمله. وبعد أن عرّفتُه عن نفسي طلبتُ منه أن يقول لي وبكل صراحة لماذا تمّ الطلاق بينه وبين سلمى. وهذا ما قاله لي:

 

- كنتُ جدّ مغرم بها، فهي جميلة جداً وجذّابة وعاملَتني بلطف وحنان ولكن بعد فترة لاحظتُ عليها بوادر تشير إلى التعاطي بالمخدّرات. إستطعتُ فعل هذا لأنّ إبن عمّي مدمن أيضاً وأعرف كيف هي تصرّفاتهم وكيف تبدو آثار الكوكايين على عيونهم وتؤثّر على أكلهم ووزنهم. وبعد أن واجهتُ سلمى بالحقيقة، أقسمَت لي أنّها ستتوقّف عن التعاطي ولكنّها لم تفعل، بل علمتُ أيضاً أنّها لا تتردّد على بيع خدمات جسديّة لقاء جرعتها لأنّها مكلفة جداً.

 

- أتعني أنّها كانت تمارس البغاء؟؟؟

 

- أجل... ومع الذي يأتي لها بالمخدّرات... راتبي كلّه لا يكفي لشراء بضعة غرامات مِن الكوكايين وإذ بها تحصل عليها يوميّاً... ومِن بعدها لم يعد لي خياراً سوى أن أطلّقها خوفاً مِن كلام الناس ومِن أن تحمل منّي وتصبح أمّ أولادي... فأيّ مثَل ستكون لهم؟ يا ليتكَ جئتَ إليّ قبل ذلك...

 

وعدتُ إلى المنزل وقلبي مليء بالحزن، فكنتُ أحبّ تلك المرأة ولكنّني لم أكن قادراً على مساعدتها طالما هي لا تريد ذلك. وبادرتُ بدعوى الطلاق الذي أُقرَّ بسرعة لأنّها لم تقف في طريقي، بل عملَت جهدها لإعطائي حريّتي، لأنّها لم تكن تريد أن أعيش مع إنسانة مثلها. كانت هي الأخرى تحبّني ولكن كان إدمانها أقوى. ومنذ ذلك الحين لم أعد أعرف عنها شيئاً وبالرغم ممّا حصل، لا يمرّ يوم دون أن أفكّر بها وبما كانت ستكون عليها حياتنا لولا المخدرّات.

 

حاورته بولا جهشان

المزيد
back to top button