ولِد شقيقي فمحوني من حياتهم

لم يتحدّث أحدٌ عن طفولتي يوماً! ولولا بعض الصور النادرة الموجودة في ألبوم العائلة، لما كان لي أيّ أثر في المنزل. ما كدت أحتفل بعامي الأول حتى ولد شقيقي ماجد. وابتداءً من تلك اللحظة، محوني من حياتهم بلمح البصر...  

لطالما أراد والداي إنجاب صبيّ، وقد خاب أملهما حين أبصرت النور. فراحا يعزّيان أنفسهما قائلَين: "على الأقل، إنّ الطفلة طبيعية".

عادةً، يمحو المولود الجديد الولد الذي يسبقه، وهذا معروف في كل مكان. لكن ليس لطيلة الحياة! منذ ذاك اليوم المشؤوم الذي وصل فيه شقيقي إلى المنزل، لم يعد أحد يهتمّ بي بل صار الجميع في خدمته، يسهرون على راحته وسعادته.

لطالما كنت الأولى في صفي لكنّني لم أحظَ يوماً بالتشجيع والمكافآت التي كانت تنهال على ماجد الذي كان يعيد صفوفه في المدرسة، فيحاول أهلي بشتى الطرق تبرير كسله. وبما أنّ فارق العمر بيننا كان سنة تقريباً، كنّا نحتفل بعيدنا في اليوم نفسه وبالتأكيد كان يتلقّى هو أجمل الهدايا أمّا هديتي فكانت تبدو مختارة بسرعة على الدوام. انتهى بي الأمر بكره شقيقي الذي سلبني كل شيء، لا سيما الحب. غالباً ما كنت أحلم في الليل أنّه ميت وأنّني أنا المدلّلة بدلاً منه. حين كانت خالتي عائدة تلوم شقيقتها على تلك المعاملة وذاك التمييز، كانت تغتاظ وتقسم بصوت جهير إنّ ولديها يحظيان بالحنان نفسه.

 

مرّت السنوات وبقي الوضع على حاله. خلال سنة تخرّجي حصلت على قلادة صغيرة جداً من الذهب فيما نال شقيقي في السنة التالية سيارة BMW جديدة ورائعة. كنت أمضي أمسيات السبت وأنا أكوي قمصانه وألمّع أحذيته وأحرص على أن يكون كل شيء جاهزاً لذهابه إلى السهرة. ثم تنهال عليه العبارات اللطيفة: "لا تتأخر، تمهّل أثناء القيادة، استمتع بوقتك يا حبيبي...". فلا يبقى عليّ أنا سوى الذهاب إلى غرفتي والبكاء بمرارة.

هكذا إلى أن قررت تجربة وسيلة أخيرة في محاولة مني للفت انتباه والديّ، وذلك من خلال تغيير سلوكي كلياً. رحت أخرج من المنزل كل مساء تقريباً. وصرت أجد الراحة بين أشخاص بدا لي أنّهم يحبونني وهم أصدقاء لي في الجامعة لهم شعبية كبيرة. على هذا المنوال، تراجعت علاماتي وصار الأساتذة يخشون الأسوأ لا سيما أنّ تبدّل سلوكي رافقه تبدّل جذري في مظهري أيضاً: ثياب غريبة، ماكياج قوي وكعوب عالية جداً.

لم يمر هذا التغيير مرور الكرام بل لاحظ الجميع الأمر باستثناء والديّ العزيزَين فبالنسبة لهما كنت غير مرئية أصلاً. لولا تدخّل خالتي لانقلبت الأمور إلى الأسوأ. لم تكن متزوجة وكانت ترى فيّ الابنة التي لم تُنجبها. آلمها الظلم الذي عشته وحاولت مراراً وتكراراً الدفاع عن قضيتي، لكن عبثاً! حين أدركت أنّ سلوكي الجديد يعرّضني للخطر، اقترحت على والدتي أن تُسكنني عندها بحجة أنّها تشعر بالوحدة بمفردها. وافقت والدتي الغالية على الفور وبلا نقاش، فهذه فرصة ذهبية لتتخلّص مني فتخلو الساحة بالكامل لشقيقي. وافقت على الاقتراح فلمَ أبقى داخل منزل لا أحد من سكّانه يرحّب بي؟ لكن عند خالتي، كانت قواعد السلوك قاسية، لا سيّما بعد أن اختبرت الحرية المطلقة، فشعرت بصعوبة في تقبّل هذه الوصية الجديدة عليّ. تشاجرنا ورحلت من منزلها مراراً وتكراراً لكنّني كنت أعود عند المساء لأدقّ بابها ولأتوسّل إليها أن تفتح لي إذ لم أكن أرغب في العودة مجدّداً إلى منزل أهلي.

في عمق أعماقي، عرفت أنّها محقّة بيد أنّني تمسّكت بتلك الحياة حيث كل شيء مسموح. قامت عائدة بكل ما بوسعها لتؤمن لي الاهتمام اللازم الذي افتقرت إليه.

 

في البداية، شعرت بالملل من تلك الحياة الهادئة لكن رويداً رويداً استرجعت حبّي للأمور البسيطة التي تجلب السعادة. في تلك الأثناء، لم يطلب أهلي معرفة أيّ خبر عنّي. لا بأس! فقد صار عندي أم جديدة وحياة جديدة لكنّ أصعب ما كنت أفكّر فيه هو المسامحة! كانت تشرح لي عائدة على الدوام أنّ للجميع أخطاءهم وأنّ لوالديّ أحكاماً مسبقة وأفكاراً خاطئة مثل كل الناس لكنّني لم أستطع تقبّل الوضع. لقد ألحقوا بي الكثير من الأذية. كيف عساهما يعاملان ابنتهما، من لحمهما ودمهما، هذه المعاملة؟

مرّت الأيام إلى أن حصلت تلك الحادثة التي قلبت الأمور رأساً على عقب. في ذاك اليوم، كان المطر غزيراً وأنا واقفة على جانب الطريق أنتظر سيارة أجرة فجاءت سيارة بسرعة جنونية وضربتني بقوة. فقدت الوعي لعدة أيام وحين فتحت عينيّ وجدت نفسي ممدّدة على سرير المستشفى ووالدتي إلى جانبي تُمسك بيدي. فوجئت كثيراً ورحت أصرخ وأنتفض لدرجة أن أخرجوها من الغرفة. اقتربت مني عائدة قائلةً:

 

- لم تتركك ولا ثانية واحدة ولم تُفلت يدك التي كانت تقبّلها وتجفّف بها دموعها. يا ليتك رأيتها والندم يتآكلها وهي تتوسّل إليك أن تسامحيها. أظنّ أنّها أدركت مؤخراً كم أنت غالية على قلبها وكم تحبّك ومدى الأذى الذي سبّبته لك. كذلك، وقف والدك وشقيقك عند قدميك كل الوقت كي يكونا موجودين لحظة تسترجعين الوعي. هم يريدون أن ترجعي معهم إلى المنزل حالما تقفين على رجليك.

 

لم يكن عندي ثقة بهم فلدى خروجي من المستشفى عدت إلى بيت عائدة لكنّ والديّ وشقيقي كانوا يأتون يومياً لزيارتي. وخلال وقت قصير، بدأنا نلتمّ كعائلة حقيقية وختم الجرح مع الوقت. هل كان ضرورياً أن أشارف على الموت حتى يُظهر لي أهلي عاطفتهم نحوي؟ وماذا لو أنّني لم أقع ضحية ذاك الحادث، هل كنت سأبقى منفيّة ومهملة وغير مرئيّة، فقط لأنّني ولدت فتاةً؟

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button