مُمرضة شجاعة (الجزء الأول)

بفعل مهنتي كمُمرّضة، أرى أناسًا مِن مُختلف الفئات الاجتماعيّة، يعيشون مأساة ليست فقط صحّيّة بل أيضًا شخصيّة. وذلك أعطاني خبرة كبيرة في الحياة، وكيفيّة التعامل مع المرضى وذويهم الذين أُواكبُهم أيّامًا مُتتالية وأحيانًا أسابيع وأشهر بكاملها. وأعترفُ أنّني في مُعظم الأحيان أشعرُ وكأنّني فرد مِن تلك العائلات، وأُشاطرُهم همومهم وصلواتهم ومخاوفهم. وعندما سألَتني الكاتبة عن القصّة التي أثَّرَت بي أكثر مِن غيرها خلال سنوات مُزاولتي لمهنتي، لَم أُفكِّر كثيرًا بل أجبتُها على الفور: "قصّة هيام!". عندها، جلستُ والكاتبة وبدأتُ بالكلام:

"كنتُ قد بدأتُ العمَل بذلك المشفى قَبل خمس سنوات، وبالكاد توصّلتُ إلى الإتّكال على حكمي الذاتيّ في ما يخصّ اتّخاذ القرارات إن إقتضى الأمر. لكنّ قلبي كان لا يزال يتأثّر بشدّة بكّميّة الألَم والحيرة الموجودَين لدى المرضى، فأقضي الليالي بالبكاء والصلاة. وفي تلك الفترة، جاءَت هيام المشفى ليلاً مُحمَّلةً في سيّارة إسعاف، واستقبلَها فريق الطوارئ لمعرفة مِمّا تشكو بالتحديد.

إتّضَحَ أنّ المسكينة تشكو مِن نزيف حاد سبَبه فقدان جنينها. تمَّت مُعالجتها على الفور، وحين وصلَت غرفتها كنتُ أنا مَن سيهتمّ بها. ولَم يسَعني تجاهل الكدمات البارزة على بطنها، فنظرتُ إليها وقلتُ:

 

ـ مَن فعَلَ بكِ هذا؟

 

ـ لا أحَد... لقد تعثّرتُ ووقَعتُ عن السلام.

 

ـ أين زوجكِ، فلقد وصلتِ المشفى لوحدكِ.

 

ـ إنّه مُسافِر... أنا اتّصلتُ بالإسعاف كَوني كنتُ لوحدي حين وقعتُ... لستُ أتألّم بسبب الوقعة بل لفقداني جنيني... لن أرى إبني يكبر... يا إلهي... هل سأتمكّن مِن النسيان يومًا؟ طمئنيني لأنّك بفضل عملكِ ترَين الكثير.

 

ـ لن يكون الأمر سهلاً، لكنّ الله يُعطينا القوّة للمضيّ قدمًا. أنا مُتأكّدة مِن أنّكِ ستشعرين يتحسّن حين يأتي زوجكِ مِن السفَر. بعد ذلك، ستتخطّيان هذه المرحلة الصعبة سويًّا وتُحاولان بناء عائلة مِن جديد. لكن ما هو أهمّ الآن هو أن ترتاحي. نامي وإن احتجتِ لشيء انقري على الجرَس.

 

في اليوم التالي جاء زوج هيام ومكثَ معها طوال الوقت. كانت عيناه دامعة وينظرُ إلى زوجته برفق وحبّ، الأمر الذي طمأنَني، فكان مِن الواضح أنّهما مُتحابّان وسيستطيعان تخطّي محنتهما. دخلتُ الغرفة لتنظيف مريضتي، فطلبتُ مِن الزوج الانتظار خارجًا. وبعد دقائق معدودة رنّ هاتف هيام ورأيتُ الهمّ والخوف على وجهها. هي لَم تُرِد الإجابة لكنّها فعلَت أخيرًا وسمعتُها تقول: "دعني وشأني، أرجوكَ! ماذا تُريدُ؟!؟ ألا يكفي ما حصَل؟!؟ دعني وشأني!!!". أقفلَت المسكينة الهاتف بغضب وبدأَت بالبكاء، ثمّ طلَبت منّي عدَم ذكر هذا الاتّصال لزوجها فأكّدتُ لها أنّني لن أفعَل، أوّلاً لأنّ هذا ليس مِن شأني، وثانيًا لأنّ مهنتنا تتطلّبُ منّا المُحافظة على خصوصيّات مرضانا. لكنّني سألتُها:

 

ـ هل لهذا الشخص دخلٌ بما حصَلَ لكِ؟

 

ـ أجل.

 

ـ عليه أن يُعاقَب.

 

ـ صحيح ذلك، لكنّني سألتزِم الصّمت... إنّ الثمَن لغالٍ جدًّا.

 

ـ أتعنين أنّ فقدان جنينكِ الأوّل ليس أمرًا فظيعًا؟

 

ـ بلى لكنّه أرحَم بعد مِمّا قد يحصل. أنتِ لا تفهمين الوضع. دعينا مِن هذا الكلام الآن، أرجوكِ.

 

وقَبل أن أُدخِل الزوج إلى الغرفة، إستدَرتُ نحو هيام وقلتُ لها:

 

ـ تجاهل المشاكل لا يحلّها... إحذري يا سيّدتي، فلقد خسِرتِ جنينكِ ومَن يعرفُ ما ستخسرين لاحقًا.

 

كان مِن المفروض أن تعود هيام إلى بيتها، لكنّها لحسن حظّها، إلتقطَت بكتيريا وجَبَ مُعالجتها. لِذا مدَّدَ لها الأطبّاء مكوثها عندنا. لقد قلتُ "لحسن حظّها"، فأحيانًا تكون الأمور البشعة مُفيدة لنا.

ثمّ حصَلَ أنّني رأيتُ مِن شبّاك غرفة الممّرضات رجُلاً جالسًا في الحديقة التي تتوسّط المشفى. لَم أعِره أهمّيّة، لكنّني عدتُ ورأيتُه مرّات عديدة خلال اليوم الواحِد، الأمر الذي بدا لي غريبًا، خاصّة أنّه كان مُتوتّرًا وينظرُ حوله وإلى الأعلى ومِن ثمّ يمشي قليلاً ليعود فيجلس مكانه. لا أدري لماذا، لكنّني ربطُُّ بينه وبين الرجُل الذي كلّمَ هيام قَبل يوم واحد.

ولَم أكن مُخطئة، فلقد وجدتُه في غرفة هيام عندما قصدتُها لأخذ بعض العيّنات. وقفتُ عند الباب ورأيتُ الذعر على وجه مريضتي، بينما كان الرجُل يقول لها كلمات بدَت لي قاسية. عندها قلتُ له بنبرة صوت أردتُها جدّيّة:

 

ـ سيّدي، الزيارات ممنوعة.

 

ـ مَن قال ذلك؟!؟

 

ـ أنا. سأطلبُ منكَ الخروج، وعلى الفور.

 

ـ وإن لَم أخرُج؟

 

ـ بل ستخرُج.

 

وأدركَ ذلك الزائر غير المرغوب به أنّني لا أمزَح على الاطلاق، فنظَرَ إليّ بشرّ وخرَجَ مِن الغرفة بعد أن قالَ لهيام: "لَم أنتهِ منكِ بعد!".

ركضتُ إلى سرير مريضتي التي كانت ترتجِف وتبكي في آنٍ واحد، وواسَيتُها قائلة:

 

ـ لن يحصل لكِ أيّ مكروه وأنا هنا.

 

ـ لكنّكِ لستِ معي طوال الوقت.

 

ـ سأُكلِّم الطاقم الليليّ، ولن يسمحوا لأحَد سوى لزوجكِ بزيارتكِ. قولي لي...

 

ـ أنا تعِبة وأُريدُ أن أرتاح مِن فضلكِ.

 

تركتُ هيام لوحدها وعدتُ إلى عمَلي، بعدما أعلمتُ الجميع بأنّ هناك مَن يُزعِج المريضة وعلينا إبعادَه عنها.

في المساء جاء زوج هيام إلى المشفى فسألتُه سؤالاً كان يُحيّرُني:

 

ـ أين عائلة السيّدة هيام؟ أنا لا أسأل بداعي الفضول ولكن يُستحسن أن يكون هناك أحَد معها خلال النهار، فهي خسِرَت جنينها وبحاجة إلى أناس مُقرّبين منها. أو ربّما أحَد مِن أهلكَ أنتَ، سيّدي؟

 

ـ لقد تزوّجنا بالرغم مِن رفض كلتَي عائلتَينا، والجميع لا يزالُ غاضبًا منّا.

 

ـ حتّى بعد أن علِموا بشأن الجنين؟

 

ـ لَم أقُل شيئًا لأحَد، فهم أداروا ظهرهم لنا.

 

ـ أنصحُكَ بأن تطلعهم عمّا جرى، فالوضع حرِج بالنسبة لزوجتكَ.

 

ـ سأفكّرُ بالأمر. كيف هي اليوم؟

 

ـ بخير، لا نزال نُعطيها المضادات الحيويّة في المصل، وقد يحتاج الأمر للمزيد مِن الوقت. تفضَّل بالدخول، فهي بانتظاركَ.

 

رحتُ إلى بيتي، لكنّني بقيتُ على اتّصال مع الفريق الليليّ لأتأكّد مِن أنّ ذلك الرجُل لن يدخُل غرفة هيام خلسةً أو عنوةً، وهم طمأنوني بهذا الشأن. في الصباح كنتُ مُصمِّمة على معرفة ما يجري. لِذا قلتُ لمريضتي فور دخولي غرفتها:

 

ـ إسمعي سيّدتي...

 

ـ أرجوكِ، ناديني هيام.

 

ـ حسنًا هيام... سأطلبُ منكِ أن تُطلعيني على حقيقة ما جرى وما يجري لكِ إن كنتِ تريدين أن أُساعدكِ، فهناك أسرار كثيرة بدءًا مِن رفض عائلتكِ وعائلة زوجكِ لزواجكما، وصولاً إلى قصّة إجهاضكِ التي لَم تعُد تُقنعني، وذلك الزائر الذي يُخيفكِ إلى أقصى حدّ.

 

ـ لا أُريدُ التكلّم.

 

ـ بلى. فأنا فرصتكِ الوحيدة ولا يجب أن تُفوّتيها. لَم أخُن ثقتكِ حتّى الآن فلا أحَد غيري يعرفُ ما أعرفُه. تكلّمي، فلقد حالفكِ الحظّ حتّى الآن، وقد يتفاقَم الوضع إلى حدّ اللارجوع. لن تُقنعيني أبدًا بأنّكِ وقعتِ عن السلالم وأنّ لا دخل لذلك الرجُل بما حصَل، لستُ غبيّة.

 

ـ أنتِ على حقّ.

 

ـ ومثلما استنتجتُ كلّ ذلك، هكذا سيفعلُ زوجكِ. أهذا ما تُريدينَه؟

 

ـ بالطبع لا! فزوجي أفضل إنسان في الدنيا! يا إلهي... كَم أخاف أن أخسره!

 

ـ تكلّمي إذًا!

 

ـ حسنًا.

 

وبدأَت هيام بِسَرد قصّتها لي.

 

يتبع...

المزيد
back to top button