قبِلَتني جامعة أجنبيّة وعمَّت الفرحة البيت. فكنتُ سأنال بعد بضع سنوات إجازة ستفتَح لي أبواب سوق العمَل المحلّي. ففي بلَدنا، يوظَّف مَن يتخصّص في الخارج على الفور، مع أنّ جامعاتنا هي مِن أفضل ما يكون.
ودّعتُ عائلتي والدموع تملأ عَينَيّ، وسافرتُ لأوّل مرّة في حياتي. كنتُ شابًّا في الثامنة عشرة والحياة تُناديني لأقطف أجمَل ما لدَيها. قصدتُ بيت عمّي المُقيم هناك، فاختيار الجامعة تركَّزَ على وجود أخ أبي الذي كان سيستقبلُني وعائلته ويرعاني، وهذا كان شرطًا لا نقاش فيه. لَم أكن أُمانِع، إذ أنّني أحبَبتُ عمّي مع أنّني لَم أرَه إلّا مرّات قليلة أثناء زياراته إلى البلَد، فوجدتُه فرِحًا وكريمًا ومُحِبًّا للحياة. لَم أتعرّف قط على عائلته مِن قَبل، إذ أنّه سافَرَ دائمًا لوحده بسبب مدارس أولاده، ولَم تشأ زوجته تركهم لوحدهم ومُرافقته.
كان البيت واسِعًا وحظيتُ بغرفة لوحدي، بينما تجمَّع الأولاد الثلاثة في غرفتَين مِن أجلي، وشكرتهم بحرارة على ذلك. وبعد أيّام قليلة، قصدتُ الكلّيّة وثبَتُّ تسجيلي وانتظرتُ بفارغ الصبر بدء الدروس، فلطالما كان حلمي أن أصبَحَ مُهندِسًا، وها أنا في صدَد تحقيقه! والفضلُ عادَ إلى اجتهادي خلال سنوات الدراسة، ونَيلي علامات شِبه كامِلة خوّلَتني تقديم طلَبَ منحة خارج البلاد. فهكذا كنتُ، أُثابِر وأعمل بكدّ للوصول إلى هدَفي، واضِعًا جانبًا كلّ المغريات التي تجذب عادةً أولاد سنّي. كنتُ عاقِلًا ومُهذّبًا ورصينًا، أيّ الشاب المثاليّ بالفعل.
شعرتُ أنّني في بيتي وسط أقارِبي الذين فعلوا جهدهم لأندمِجَ بينهم ومعهم، فنجحوا بذلك. زوجة عمّي حضّرَت لي أطباقي المُفضّلة وعرّفَني عمّي على الأماكن التي قد أحبُّها، ورافقَني أولادهما أينما ذهبتُ وعرّفوني على أصدقائهم. لكنّني بقيتُ أتواصَل مع أهلي بصورة يوميّة، وخاصّة بأمّي التي وجدَت صعوبة بالافتراق عن ابنها البِكر.
بدأَت الدروس أخيرًا وقصدتُ الجامعة بقلب مليء بالأمَل والحماس. وفي أوّل حصّة حضرتُها... رأيتُ أمال. عرفتُ على الفور أنّها فتاة شرقيّة مِن ملامحها وعَينَيها الواسِعَتين، ولَم أعُد قادِرًا على إزاحة نظري عنها لكثرة جمالها وجاذبيّتها. ولأوّل مرّة في حياتي انتابَني شعور غريب عنّي، إسمه الحبّ.
بعد ذلك، فعلتُ جهدي لأختارَ مقعدًا قريبًا مِن مقعد أمال، فكان لا بدّ أن تُلاحِظ وجودي يومًا بين كلّ هؤلاء الطلّاب. فالقاعة كانت كبيرة للغاية وخفتُ أن أضيعَ بين الجمهور. لكن في أحَد الأيّام، هي اقترَبَت منّي وسألَتني إن كان بإمكانها الجلوس بالقرب منّي لنقَل ما أدوِّنه أثناء الحصص، فكان مِن الواضِح أنّني أنقلُ على أوراقي كلّ كلمة يقولُها الأستاذ. وافقتُ طبعًا بعد أن تلعثَمَ لساني لِثوانٍ. ومنذ ذلك اليوم، حضرنا كلّ الحصص جنبًا إلى جنب، وكنتُ أسعَد الشبّان.
غارَ منّي الكثير مِن رفاقي لاهتمام أمال بي، فكما ذكرتُ، هي كانت جميلة للغاية بملامحها الشرقيّة. أنا الآخَر كنتُ مميّزًا، لكن ليس بسبب عرقي، فكنتُ قد ورثتُ مِن أمّي شعري الفاتِح وعَينَيّ الملوّنتَين، لكن بسبب شطارتي بعد أن باتَ مِن الواضِح للجميع أنّني أذكى تلميذ في الاختصاص الذي اخترتُه، الأمر الذي جلَبَ إليّ طلبات عديدة لتفسير الدروس الصعبة بعد الدوام للّذين حظّهم أقلّ في ما يتعلّق بفهم الهندسة. وهكذا، بتُّ وأمال الثنائيّ الذي حظِيَ باهتمام الجميع، مع أنّنا كنّا لا نزال زميلَين وحسب. لكن في قرارة نفسي، إعتقدتُ حقًّا أنّ أمال ستصبح زوجتي وأمّ أولادي حين نتخرّج ونجِد عملًا جيّدًا...فلَم أعلَم أنّ حبيبة قلبي مخطوبة في بلدَها مِن شاب كان ينتظرُ عودتها بفارغ الصبر، وإسمه نادِر.
بعد أشهر قليلة مِن بدء الدروس، دعوتُ أمال إلى بيت عمّي لتناول الغداء معنا وهي قبِلَت، واستقبلَها الجميع على أنّها شِبه خطيبة لي. هي لَم تُكذِّبهم ولَم تأتِ على ذكِر خطيبها أمامهم أو أمامي، وبقيَت تنظرُ إليّ نظرات إعجاب وحبّ. بعد رحيلها، هنّأني الجميع على اختياري، وبدأنا نتخايَل أمورًا مُتعلِّقة بحياتي مع أمال مُستقبليًّا.
إنتهَت السنة الدراسيّة الأولى، فرأيتُ مُناسِبًا أن أُفاتِحَ أمال بِمشاريعي وإياها، وتفاجأتُ بها توافِق على أن نتواعَد على الزواج، أي شكل مِن أشكال الخطوبة. هي وافقَت بسرعة وكأنّها تنتظرُ منّي هكذا خطوة، فتفاءلتُ بالخير وعرضتُ عليها السفَر معها إلى أهلها لطلَب يَدها منهم. لكنّها رفضَت بِحزم قائلة إنّ الوقت مُبكِر وإنّ علينا أن نتعرّفَ على بعضنا أكثر قَبل أن نقصد أهلها. فحسب قولها، هم كانوا مُتشدّدين ومُتزّمتين كثيرًا. لَم أجادِلها، بل قرّرتُ أن نستمتِع بفترة التعارف ونرسم سويًّا خطوط مُستقبلنا المُشترك.
وبالفعل، قضينا وقتًا مُمتِعًا، وفي السنة الجامعيّة الجديدة، صِرنا بمثابة الثنائيّ المعروف بِحبّه الشديد وبالرومانسيّة التي يحلمُ بها الكلّ. لكن قصّة حبّنا تجاوزَت حرَم الكلّيّة واجتازَت الحدود والبحار... ووصلَت إلى نادِر، خطيب أمال، بواسطة معارِف لِطالِب في الكلّيّة. ردّة فعل نادر كانت قويّة جدًّا، إذ أنّه كان ينتظرُ خطيبته لِتعود مع شهادتها ليتزوّجا. هو أحبَّها كثيرًا، كما أحبَبتُها وربّما أكثر، إذ أنّه كان يعرفُها منذ ولادتها كَونهما جيرانًا كبرا سويًّا وكانا لا ينفصلان، تمامًا كما كنّا في الكلّيّة. وبما أنّ نادِر لا يمكنه السفَر، فهو أوكَلَ مَن أوصلَه خبَر علاقتنا بِمُراقبتنا عن كثَب. وذلك الشخص أخَذَ مُهمّته على محمَل الجدّ، فهو ادّعى أنّه تلميذ في الكلّيّة نفسها ودخَلَ دائرة أصدقائنا. لِحسن حظّه، لَم تكن تعرفه أمال جيّدًا، بل رأته في البلَد منذ سنوات لا تُحصى، قَبل أن يُهاجِر إلى حيث نحن ويبدأ حياة خاصّة به. لذلك، لَم ننتبِه لشيء على الإطلاق، بل أكمَلنا دراستنا التي كانت ستفتَح لنا أبواب سعادة العَيش معًا.
وذات يوم، حين كنتُ عائدًا مِن الكلّيّة إلى البيت، وقفَت بِجانبي سيّارة داكِنة اللون وخرَجَ منها شبّان مُقنَّعون وبدأوا بضربي بطريقة وحشيّة. وبفضل سيّارة أخرى كانت مارّة ووقفَت بالقرب منّا، هرَبَ الجُناة وأسرَعَ سائق السيّارة بإنقاذي وأخذي إلى المشفى. هناك سُئلتُ ألف سؤال مِن قِبَل إدارة المشفى، وعمّي وعائلته الذين وافوني إلى المشفى، والشرطة التي حقّقَت بالحادِثة. وصلَت أمال أخيرًا وهي الأخرى لَم تكن قادِرة على التفكير بأحَد واتّهامه، فكيف لها أن تعرِف أنّ نادِر على عِلم بعلاقتنا، إذ أنّنا كنّا نبعد آلاف الأميال عنه!
في النهاية، إستنتَجنا أنّ المسألة كانت تشابهًا في الشخص، ونسينا الموضوع بعد أن شفيت كسوري.
إستقبَلني الجميع في الكلّيّة وكأنّني بطَل شجاع عندما وصلتُ بعكازي. صفّقوا لي وهنّأوني، بينما ادّعى "الجاسوس" أنّه أيضًا فرِح لي. هو كان في الواقع آسِفًا جدًّا على فشَل مُهمّته ويُعِدُّ لي خطّة أخرى لن أفلِتَ منها. بقيَ عليه اختيار الوقت المُناسِب، إذ أنّ عمّي أصرَّ أن يقلّني في سيّارته مِن الكلّيّة إلى البيت كلّ مساء.
مِن جانبها، بقيَت أمال على اتّصال بِخطيبها كما في الأوّل. هي لَم تبدُ له أنّها غيّرَت رأيها في ما يخصّ زواجها منه، أو أنّ حبّها له خفَّ أو جفَّ. لعِبَت على الخطَّين بِبراعة لا مثيل لها.
هل كان يجدرُ بي الانتباه إلى دلائل مُعيّنة؟ لا أعتقدُ ذلك، فلا شيء كان يدلّ على وجود شخص آخَر في حياة حبيبتي، وهي لَم تقترِف أيّ خطأ أو هفوة. ولا تنسوا أنّني كنتُ شابًّا لا خبرة له في الحياة أو أمور القلب، فكيف لي أن أعرِف متى يكذِب المرء أو يغشّ مَن حوله؟ وكيف لي أن أتحضَّر لِما جرى لي لاحقًا؟ يا إلهي... كَم أنّكَ تُحبُّني لإنقاذي مِن تلك المُصيبة!
يتبَع...