كرهَني زوجي بسبب مشكلة في عيني

عندما كنتُ في السادسة من عمري، وقعتُ ضحيّة حادث أثناء ركوبي الدرّاجة، بعد أن صدمَتني سيّارة مسرعة. أصبتُ بكسور عدّة شُفيتُ منها بسرعة ولكنّ الصدمة تركَتني مع مشكلة في عيني تُسمّى الحوَل، ما أرعبَ أهلي، خاصة بعد أن قال لهم الأطبّاء أنّني سأبقى هكذا طوال حياتي. أمّا أنا فلم أكن أبالي كثيراً للأمر حتى أن عدتُ إلى المدرسة وبدأ زملائي يسخرون منّي.
ولحسن حظّي، كان لديّ أب وأمّ رائعَين أعطاني الثقة اللازمة لكي أتحمّل جميع الملاحظات البشعة التي حاوطَتني ورافقَتني لسنوات طويلة. ومع مرور الوقت، لم يعد يزعجني الأمر حتى أن نسيتُه كليّاً، فعندما تعرّفتُ إلى جهاد، لم أبالي أنّه قد ينزعج من "مشكلتي". وأظنّ أنّ قوّة شخصيّتي وثقتي بنفسي الواضحة هي التي جذبَته إليّ، فهو أيضاً لم يتوقّف عند شذوذ عيوني. وبالرغم من أنّه كان ثريّ ومحاط بأجمل النساء، إختارَني أنا حبيبة له. وبدأنا نتواعد وشعرنا بحبّ عميق يجمعنا إلى جانب قواسم عديدة في طباعنا وميولنا. وكان من الطبيعي أن نكمل المشوار سويّاً أي أن نتزوّج.
وعندما عرّفني إلى ذويه، شعرتُ فوراً بخيبة أملهم، بما يخصّ إختيار إبنهم وأنّهم كانوا يتمنّون فتاة أفضل له. ولكنّهم كانوا لائقين كفاية ليمتنعوا عن الإفصاح عن شعورهم على الأقل أمامي. ولكن بعد أن غادرتُ منزلهم وبقيوا لوحدهم، أثاروا طبعاً الموضوع وأظنّ أن جهاد دافع عنّي بقوّة لأنّه لم يتراجع عن قراره بالزواج منّي. وهكذا أقمنا حفلاً كبيراً إجتمع فيه مدعوّين كثر من كلتا العائلتين ولم أسمع ولو مرّة كلمات "كم أنّ العروس جميلة". ولكنّني لم أبالي، لأنّني لم أكن أهتمّ لرأي أحد سوى رأي زوجي الحبيب.
وسافرنا إلى شهر العسل وأمضينا وقتاً جميلاً في جوّ من الرومانسيّة ومن بعدها عدنا إلى بيتنا متأملّين أن نبني عائلة سعيدة. ولكنّ الناس أشرار ولا يتحمّلون رؤية سعادة الآخرين والبعض منهم يكرّس حياته لتنكيل فرحة مَن هم حوله. وكانت هذه حالة عائلة زوجي وأصدقاءه. وبالرغم من شخصيّة جهاد القويّة وإصراره عليّ، لم يستطع الصمود أمام التجييش الذي أُلِّفَ حوله. عشنا سعيدَين لمدّة شهرَين فقط قبل أن تبدأ معركتي للحفاظ على زواجي، كنتُ خلالها أسعد النساء وأستطيع القول اليوم أنّني لم أشكّ ولو للحظة بقوّة حبّ جهاد لي حتى أن ساءت الأمور إلى حدّ قبيح.
فبينما كنتُ أتحضّر لإنجاب طفل يتوّج حبّنا، كانت الألسنة تتحدّث عن العروس "الحولاء" التي إنضمَّت إلى عائلة جميلة ووضعَت عليها وسمة البشاعة التي كانت ستجري في عروق مولود جديد. فخاف الجميع رغم معرفتهم بأنّني كنتُ ضحيّة حادث درّاجة، أن يولد الوريث أو الوريثة مع "إعاقتي". وشعرتُ أنّ زوجي كان قد تأثّر بتلك الأقاويل من تردّده على الإنجاب. فبات يؤجّل الموضوع تحت ذريعة أنّنا ما زلنا في عمر الشباب ولا داعي للتسرّع، مع أنّه كان يتمنّى من قبل أن يكون له ولداً منّي. وحين كنتُ ألحّ عليه، كان يجاوبني بحجج غير مقنعة. ولكن في ذلك الوقت لم أكن أعلم حقيقة الأمر، فكيف لي أن أشكّ بأنّ زوجي كان يخاف منّي؟ وإلى جانب ذلك لاحظتُ أنّنا لم نكن نخرج مع أصدقاءه إلّا نادراً وكلّ مرّة مع الأشخاص نفسهم مع أنّ لزوجي معارف كثر. ولم نكن نذهب لزيارة أهله إلّا عندما يكونون لوحدهم وإذا كانوا يقيمون حفل أو مادبة عشاء كان جهاد يتمارض أو ينشغل بصورة مفاجئة. ولكنّني لم أقل شيئاً لأنّني لم أكن أعلم السبب الحقيقي ولم أشأ إزعاج حبيبي بأمور إعتبرتُها ثانوية.


ولكن في هذه الأثناء، كان جهاد عرضة لحملة تكريه لي قويّة جداً هدفها دفعه إلى تركي. والتي بدأت بتكريهه بي، كانت خالته بهدف تزويجه لإبنتها. كانت تلك رغبتها من الأوّل وأنا متأكّدة أنّها كانت ستحاول إفشال زواج جهاد حتى لو تزوّج من أيّة فتاة غير إبنتها. والذي ساعد تلك المرأة في إثارة النعرات، كانت شائبة عيني إضافة إلى تأثيرها القوي على شقيقتها أيّ أمّ جهاد.
وبقيَ الأمر مستتراً حتى أن حان الوقت لكي نأخذ صورة رسميّة للعائلة كما كانت تجري العادة عندهم سنويّاً. وبالطبع قمتُ بتحضير نفسي بإختيار ثياب أنيقة والذهاب إلى مصفّف الشعر. وكان من المفترض أن يمرّ جهاد بصالون التجميل ويأخذني معه إلى المصوّر حيث يكون الجميع بإنتظارنا ولكنّه لم يأتي في الوقت المحدّد. إنشغل بالي عليه وحاولتُ الإتّصال به ولكنّ هاتفه كان مقفلاً، فبقيتُ عند مصفّف حتى أن وصل بعد أكثر من ساعة ليخبرني أنّهم أخذوا الصورة العائليّة. عندها صرختُ:

 

- من دوني؟

 

- أنا آسف حبيبتي... ولكن...

 

- ولكن ماذا؟ لقد حضّرتُ نفسي وإنتظرتكَ... ألستُ جزءاً من العائلة؟

 

- بلي... ولكنّ الوقت داهمنا وكان المصوّر على عجلة من أمره، فأخذَ لنا الصورة وذهب... لا تغضبي... سنأخذ صورة أخرى لاحقاً.

 

وبعد تلك الحادثة، تتالَت الأمور بسرعة. فمِن زوج حنون تحوّل جهاد إلى إنسان قبيح يهملني ويؤجّل كل ما يتعلّق بي ويغيب عن المنزل أيّ أنّه بدأ يكرهني ويتفادي التواجد معي ليس فقط علناً بل في كل الأوقات. ولأنّني لم أفهم سبب هذا التغيير الجذريّ، سألتُه عمّا بدّله إلى هذه الدرجة. عندها أجابَني:

 

- أظنّ أنّنا تسرّعنا في الزواج من بعضنا

 

- لماذا تقول ذلك؟ لطالما كنّا متجانسَين في كل شيء

 

- هذا ليس صحيحاً... كنتُ مُعماً بالحب... لسنا لبعضنا... أعلم أنّني لم أعد أعاملكِ كما يجب ومن الأفضل أن تجدي أحداً آخراً يسعدكِ أكثر منّي...

 

- ماذا تقول؟ أتريد الطلاق؟

 

- أجل... وجدتُ مَن هي مناسبة لي... أنا آسف.

 

ورغم صدمتي الكبرى، لم أذرف دمعة واحدة على الذي أحببتُه كثيراً، لأنّني كنتُ أعلم أنّه ليس الرجل الذي أريده لأنّه لم يكن قويّاً كفاية لمواجهة الناس ولأنّ شائبة صغيرة في عيني جعلَته يخجل منّي. وبعد طلاقنا ببضعة أشهر وخلال زيارتي لأصدقاء، صادفتُ طبيباً جرّاحاً أخبرني أنّه أصبح من الممكن تصليح عيني بعمليّة جراحيّة بسيطة وعرضَ عليّ مساعدتي. وللحقيقة لم أكن مهتمّة بالأمر ولكنّني ذهبتُ إلى عيادته من باب الفضول وبعد أن تحدّثتُ معه مطوّلاً، أقنعَني بإجراء فحوصات ومن ثمّ الخضوع للعمليّة.
وعندما أزالوا الضمّادات عن عيني وأعطوني مرآة ورأيتُ إنعكاس صورتي، كنتُ ممنونة جداً من النتيجة وفرِحَ لي كل مَن كان يحبّني. ولكن تلك الجراحة لم تغيّر شيئاً فعليّاً في حياتي، لأنّني لم أعتبر يوماً اّنّ حوَلي يشكّل عائقة لي وأنّ ما حصل مع جهاد كان نتيجة جهل وأنانيّة عائلة لا يهمّها في الشخص إلّا مظهره.
وبعد أشهر قليلة صادفتُ جهاد في أحد المطاعم حيث ذهبتُ مع صديقات لي. كان جالساً مع إبنة خالته يمسك بيدها ويتحدّثان ويضحكان سويّاً وشعرتُ بغضب بداخلي زال بعد دقائق قليلة بعد أن رآني جهاد أيضاً وتمعّن في عينيّ. حينها وقفَ تاركاً حبيبته الجديدة وجاء إلى مائدتي وقال لي:

 

- كم أنتِ جميلة... أرى أنّكِ أجريتِ عمليّة جراحيّة لعينكِ...

 

- يا لشدّة الملاحظة!

 

- أنا مع... قريبتي... نتحدّث فقط... ليس هناك من شيء بيننا

 

- لم أسألكَ عنها فلا داعي للتبرير... مع أنّكَ كنتَ تمسك يدها...

 

- هي إبنة خالتي وهذا يحدث بين الأهل

 

- أرى انّكَ لا تزال جباناً ولا تستطيع تحمّل مسؤوليّة خياراتكَ... مِن الجيّد أنّكَ طلّقتني، فلستُ بحاجة إلى إنسان مثلكَ... أتركنا من فضلكَ وعُد إلى التي نكرتَها للتوّ.

 

وعادَ إلى مائدته خائباً وغادر مع الفتاة بعد دقائق قليلة. هنّأَتني صديقاتي على شجاعتي وضحكنا سويّاً. ولم يمرّ شهر على لقائي به حتى علمتُ أنّه تزوّج مِن قريبته. لم أحسد تلك المسكينة على زيجتها، لأنّني كنتُ متأكّدة أنّ جهاد سيخونها بعد فترة قصيرة فور إيجاده إمرأة أفضل. أمّا أنا فلستُ على عجلة مِن أمري بعدما قرّرتُ أن أنتظر إيجاد الرجل المناسب الذي يستحقّني فعلاً والذي سيعمل جهده لإسعادي.

 

حاورتها بولا جهشان 

المزيد
back to top button