وصلتُ مِن السفَر وبِحوزتي مال وخبرة لتأسيس مشروع حياتي في البلَد. فلقد ضحَّيتُ بسنوات حياتي في الخارج لأنّ بلَدي لَم يستطِع إعطائي ما يلزم لأبقى فيه. ولدى عودتي، أحاطَني الجميع مِن أهل وأقارِب وأصدقاء قُدامى، البعض منهم إشتاق إليّ، والبعض الآخر رأى فيّ مصدر منفعة.
عدتُ لوحدي، إذ ترَكتُ ورائي حياتي في الغربة مِن كلّ النواحي، بعد أن طلَّقتُ زوجتي الأجنبيّة بسبب عدَم التوافق. مِن حسن حظّنا لَم ننجِب، أو كان عانى أولادُنا مِن شجاراتنا العديدة ومِن ثمّ مِن انفصالنا.
بعد وصولي، حاوَلت أمّي أن تعرّفَني على صبايا جميلات، على أمَل أن تكون لي حياة كسائر الرجال وعائلة أفتخِر بها. إلّا أنّ المشاريع التي جئتُ أنفِّذها كانت عديدة وتتطلّب منّي تركيزًا شديدًا، فتركتُ موضوع الزواج إلى ما بعد التنفيذ.
أوّل شيء فعلتُه كان شراء شقّة جميلة وسط البلد أقَمتُ فيها مكتبي، فالسكن مع أهلي كان صعبًا عليّ بسبب البُعد عن العاصمة، وبسبب نيّتي الابتعاد عن التدخّلات في حياتي الشخصيّة والطمَع الذي أحاطَ بي مِن قِبَل الأقارِب.
أسَّستُ شركتي وبدأتُ العمَل. في البدء كنتُ لوحدي، ثمّ جئتُ بمساعدين وانطلَقتُ في الأسواق المحلّيّة والعالميّة.
بعد حوالي السنتَين، صِرتُ أشعرُ بالوحدة، فشركتي كانت تسيرُ بشكل جيّد، ودَخَل الفراغ إلى حياتي. عندها، قبِلتُ بأن تعرّفَني والدتي على صبيّة قالَت إنّها اختارَتها لي. وكَم تفاجأتُ حين رأيتُ أمامي نهى ابنة خالتي وهي تنظرُ إليّ نظرة حبّ عميق. في البدء لَم أفهَم كيف اختارَتها أمّي لي، فهي لَم تأتِ على ذكر ابنة خالتي على الإطلاق. سكتُّ مُطوّلًا، ثمّ استدَرتُ نحوِ أمّي وسألتُها: "هل هذه دعابة؟ نهى؟ ألَم تجدي غيرها؟ وهل لَم تعُد هناك مِن صبايا في العالَم أسره؟". ثمّ أدركتُ أنّ ما قلتُه كان جارِحًا، ليس فقط للصبيّة، بل لأهلها وأهلي، فاحمرَّ وجهي واعتذرتُ بسرعة. نظَرَ والِدا نهى إليَّ بغضب، وقالَ لي أبوها:
ـ وما الخطب بابنتي؟؟؟ مَن تظنُّ نفسكَ؟ وهل لأنّ لدَيكَ بعض المال تسمَح لنفسكَ بإهانتنا؟
ـ لا، لا! أنا آسِف جدًّا! قصدي أنّ نهى بمثابة أخت لي، ولَم يخطر ببالي أبدًا أن تكون زوجتي، فلقد ربينا سويًّا و...
ـ وإن يكن!!! إسمَع، لَم أعُد أُريدُ تزويجها لكَ، وأقسمُ...
عندها تدخّلَت أمّي وقالَت:
ـ لا تقسم! فابني اعتذرَ لك وهو آسِف جدًّا، فردّة فعله كانت عفويّة. الحقّ يقَع عليّ، أكان عليّ وضعه في الصورة مُسبَقًا. إذهبوا الآن.
بكَت نهى وشعرتُ بالأسى تجاهها، وحين حاولتُ الاقتراب منها لأعتذِر، أدارَت وجهها وتابعَت بكاءها بصمت. غادروا وأنا جلستُ على الأريكة بانتظار توبيخ أمّي لي. لكنّها دخلَت غرفتها ولَم تكلِّمني قط.
إستأتُ كثيرًا مِن نفسي وفعلتُ جهدي في الأيّام التي تلَت لإرضاء أمّي بشتّى الطرق، لكن مِن دون جدوى. وعندما هي قبِلَت أخيرًا أن توجِّه لي الكلام، قالَت:
ـ لقد جلَبتَ العار لي ولأبيكَ يا بُنَيّ... حسبتُكَ صِرتَ رجُلًا ناضِجًا، وتعرفُ ما يجب قوله أو عدَم قوله... كيف أواجِه أختي وعائلتها بعد الآن؟
ـ أنا آسف يا ماما لكن...
ـ لا عذر لكَ! كان بإمكانكَ السكوت أو الادّعاء بأنّكَ مُهتمّ بالفتاة، ومِن ثمّ إيجاد عذر مُقنِع!
وبعد حوالي الأسبوع، جاؤوا لوالدتي بالطبيب بعد أن أُصيبَت بأزمة قلبيّة. وبّخَني أبي بشدّة مُشيرًا إلى أنّني المُذنِب، وإن ماتَت أمّي، فسينكرُني حتّى مماته. خفتُ كثيرًا أن أفقِدَ التي أعطَتني الحياة وضحَّت مِن أجلي كثيرًا، فدخلتُ غرفتها وقلتُ لها مِن دون مُقدِّمة:
ـ أخبِري أختكِ أنّني سأخطبُ نهى حالما يتحسَّن وضعُكِ.
إمتلأت عَينا والدتي بالدموع وأمسكَت بيَدي وشدَّت عليها. خرجتُ بسرعة مِن غرفتها كَي لا تراني أبكي، لكنّني كنتُ مهمومًا جدًّا، فبماذا أقحمَتُ نفسي؟
تمَّت الخطوبة وفعلتُ جهدي لأبدوَ سعيدًا، أو على الأقلّ ليس تعيسًا، إلّا أنّ نهى كانت غير مسرورة، فهي رفضَتني بعد إهانتي لها، وقد أرغمَها أهلها بقبولي. رجَوتُ أن ترفضَني ابنة خالتي مِن جديد لاحِقًا لأتهرّب مِن تلك المُصيبة، فأدركتُ أن لا رجوع عن الزواج مِن تلقاء نفسي.
مرَّت الأشهر ولَم أَرَ خلالها نهى سوى مرَّات قليلة لقلّة حماس كلَينا، وجاءَ موعد الزواج والفرَح. مثَّلنا دور الزوجَين السعيدَين أمام العائلة والناس، وطِرنا إلى أوروبا لقضاء شهر العسل. ولدى وصولنا إلى الفندق، قالَت لي نهى:
ـ مِن الأفضل ألّا ننام في الغرفة نفسها، فانفصالنا محتوم. أنتَ وأنا نعلَم أنّنا لَم نرِد هذه الزيجة، فلماذا التمثيل؟
ـ لكنَّكِ كنتِ موافِقة في بادئ الأمر.
ـ صحيح ذلك، إلّا أنّني لمَستُ فظاظتكَ حين رفضَتني علَنًا، لا بل استهزأتَ بي!
ـ لَم أقصد...
ـ لا يهمّ الآن... لا أُريدُ زوجًا لا يحترمُني أو لا يُجدُني على قدر المقام.
ـ لا تُسيئي الفَهم، أرجوكِ!
ـ بالرغم مِن افتتاني بكَ حين كنّا أصغَر سنًّا، مِن الواضِح أنّني كنتُ مُخطئة بشأنكَ.
ـ كنتِ مفتونة بي؟؟؟
ـ أجل، وأحلمُ سرًّا أن أصبَحَ زوجتكَ.
ـ لَم أكن أعلَم.
ـ الآن، لَم أعُد أُريدُكَ. وبعد عودتنا بقليل، سنُعلِن انفصالنا تحت حجّة ما.
ـ بالطبع، بالطبع.
كلام نهى عن مشاعرها نحوي أثَّرَ بي، إذ أنّ لا أحَد قَبل ذلك كان مفتونًا بي. فزوجتي الأجنبيّة أحبَّتني بعد حين، ونما حبّها لي ببطء إلى أن انطفأ أيضًا ببطء. مِن ناحيتي، لَم أشعُر معها بالشغَف، بل وكأنّ ارتباطنا هو نتيجة منطقيّة وجيّدة لكلَينا.
في تلك الليلة، لَم أجِد النوم وأنا أفكِّر بِنهى وأتذكَّرُها وهي صغيرة، وكيف كنّا نلعب سويًّا ونضحك على أمور سخيفة كما يحصل لكلّ الأولاد المقرّبين مِن بعضهم. صحيح أنّ نهى كانت بمثابة أختي، لكن معها كنتُ أشعرُ بالراحة والطمأنينة وعدَم الحاجة لإثبات شيء لأحَد. ثمّ تذكّرتُ أنّني في أحَد الأيّام وجدتُها جميلة حين رأيتُها مُتزيّنة وأنيقة في فرَح أحَد الأقارِب، وكيف أنّها وقفَت أمامي تستمتِع برؤيتي سعيدًا بها. وكان هناك ذلك الشاب الذي بقيَ يُلاحقُها طوال الفرَح... وكيف استأتُ منه، ظانًّا في حينها أنّني أحمي ابنة خالتي، في حين غرتُ عليها.
في الصباح، طرَقتُ باب غرفة نهى طالِبًا منها موافاتي في مطعم الفندق لتناول الفطور. وحين هي وصلَت المطعم، نظرتُ إليها وكأنّني أراها للمرّة الأولى لكثرة شوقي لرؤية التي شغلَت بالي طوال الليل. لَم أقُل لها شيئًا، بل تكلّمنا بأمور عديدة وسخيفة، فعمّا يتكلّم اثنان تزوّجا مِن دون رغبة أو اقتناع؟
وبالرغم مِن كلّ شيء، قضَينا وقتًا مُمتعًا خلال شهر عسَلنا، فقصَدنا أماكن سياحيّة وأثريّة عديدة، ودخَلنا المطاعم والمحلّات، واشترَينا التذكارات والهدايا للأقارِب. ضحِكنا سويًّا ناسيَين أنّنا سنعودُ بعد أيّام إلى البلَد وإلى الانفصال. تمنَّيتُ ألّا ينتهي شهر عسَلنا، فخلاله شعرتُ بالشيء نفسه الذي كنتُ أشعرُ به آنذاك مع نهى، ونسيتُ أنّني رجُل أعمال مشغول ووحيد. لَم أسأل زوجتي إن هي تكنُّ لي الشعور نفسه خوفًا مِن سماع كلام مُجرِّح، واكتفَيتُ بالاستمتاع بوقتي معها قَبل أن أخسَرها.
ولدى عودتنا، إستقرَّت نهى في غرفة خاصّة بها، بينما قامَت بواجباتها المنزليّة على أكمَل وجه. قصَدتُ زبائني لمعاودة عمَلي، والكلّ هنّأني على زواجي. آه... لو يعلمون حقيقة وضع زواجي!
وفي أحَد الأيّام، سألَتني زوجتي عن موعد انفصالنا، فأجبتُها:
ـ نهى... لماذا لا نُحاوِل... أقصد أنّنا قد نكون سعيدَين سويًّا.
ـ ماذا تقصد؟ هل بدَّلتَ رأيكَ أم أنّكَ خائف مِن ردّة فعل أهلكَ والعائلة؟ لا تخَف، فذلك أفضل مِن أن نعيشَ في بيت واحِد كالغريبَين.
ـ لَم أشعُر يومًا بأنّنا غريبَين... خاصّة في شهر عسَلنا. أتتذكّرين كيف كنّا مُقرّبين فيما مضى؟
ـ أجل، أتذكّر.
ـ وهذا بالذات ما شعرتُ به معكَ منذ زواجنا.
ـ ربّما لأنّني بِمثابة أختٍ لكَ.
ـ لا... الأمر يتخطّى الأخوّة، وأظنُّ... أظنُّ...
ـ تظنُّ ماذا؟
ـ أنّ أمّي رأت ما لَم أرَه... فمِن الظاهِر أنّني كنتُ مُعجبًا بكِ آنذاك مِن دون أن أدري، ربّما لأنّني ابن خالتكِ ولا يُعقَل...
ـ الكثير مِن الناس يتزوّجون أو يُغرمون بأقارِبهم.
ـ صحيح ذلك، لكنّ الأمر كان غير مقبول منّي، ربّما بسبب التقارُب الشديد.
ـ ماذا لو أنّ ذلك التقارُب الشديد هو بالذات ما يُنجِحُ الزواج؟
ـ الأمر جائز... وبقوّة. إسمعي نهى، لنُرجئ مسألة الانفصال قليلًا... دعينا نبدأ مِن الصفر... لِنعتبِر أنّنا تعرَّفنا على بعضنا للتوّ... لمدّة شهر... أو شهرَين... ولن أطلبَ منكِ أيّ تواصل جسَديّ، أعدُكِ بذلك. ما رأيكِ؟
ـ قد أقبَل إن أكَّدتَ لي أنّكَ لا تفعل ذلك خوفًا مِن العائلة.
ـ أؤكِّد لكِ أنّني جادّ للغاية.
ـ حسنًا... لكنّ إيّاكَ أن تُخبِرَ أحَدًا! فقد لا تنجَح المُحاولة.
وعندما أتذكَّر تلك الفترة بالذات وأنا أُلاعِبُ ابني الأصغَر، ترتسِمُ على وجهي بسمة عريضة. فقد انتهى بنا المطاف بتأسيس عائلة جميلة وحبٍّ قويٍّ ربطَنا بشدّة وبصورة دائمة. وأشكرُ والِدتي مِن كلّ قلبي لأنّها إختارَت لي العروس المُناسِبة، فمَن سيعرفُني أكثر مِن أمّي؟ لكنّني لا أزال حتّى اليوم أشكُّ بحقيقة وقوع تلك الأزمة القلبيّة لها!
حاورته بولا جهشان