حاولَت شقيقتي الإنتقام منّي!

الكثير من الناس يقلّلون من وطئة الغيرة بين الأشقّاء وتأثيرها على حياتهم عندما يكبرون. قصّتي هي خير دليل، أنّ أحياناً، وراء الأشياء التي تبدو بسيطة، قد تخفي أمور خطيرة.


ولدَت شقيقتي نجوى قبلي بسنتين وحظيَت بكامل إهتمام والديّ والعائلة. عند مجيئي إلى الدنيا، شعرَت المسكينة بفرق كبير. وكبر هذا الشرخ عندما شاء القدر أن أكون أجمل منها، أحصد إعجاب الجميع والعلامات العاليّة في المدرسة. أظنّ أنّها كانت أكثر ذكاءً منّي ولكنّها إستسلمَت باكراً أمام ما إعتبرَته أمراً واقعاً وهو أنني أفضل منها بكل شيء. وإبتسمَت الدنيا لي وكنتُ أحصل دائماً على مرادي، أمّا نجوى فكان عليها أن تكافح وتتعب. تخرّجتُ من المدرسة قبل شقيقتي التي رسبَت أكثر من مرّة ودخلتُ الجامعة لأتخصّص بالهندسة. أمّا هي فإلتحقَت لاحقاً بمدرسة مهنيّة لتتعلّم تصفيف الشعر. كنتُ أشعر بالأسف حيالها وكلّما كنتُ أحاول التقرّب منها، كانت تجابهني بتصرّف عدائي جدّاً مع أنّني لم أؤذيها يوماً. أيّام الجامعة كانت جميلة جدّاً، فكان لديّ أصدقاء كثر وذكريات لطيفة وبعد أن حصلتُ على شهادتي، نلتُ أيضاً منحة تعليميّة لأذهب إلى فرنسا وأعمل على الماسترز.



ودّعتُ أهلي وأختي وطرتُ إلى باريس وسط التهاني والتشجيعات. بقيَت نجوى مع والديّ ورأيتُ في عيونها الحسد والحزن ولكنّني لم أغضب من ذلك، بل وعدتُ نفسي أن أشتري لها أجمل الثياب من مدينة التسوّق. ولكنّني لم أعد. فبعد عدّة أشهر، وجدتُ عملاً في الجامعة وقررتُ البقاء حتى شهادة الدكتورا. ولكن في تلك الأثناء مرِض أبي وبدأت نجوى بالعمل لكي تدفع ثمن الدواء ومن ثمّ وقعَت أمّي وكسرَت وركها. لم أكن على علم بكل هذا لأنّ والديّ أصرّا ألّا أعرف، لكي أتابع تعليمي وجعلا أختي تقسم لهما بأن تكتم السرّ. وبعد أقلّ من سنة توفيَ أبي. عندها أخبرَتني أمّي بما حصل وأخذتُ أوّل طائرة وعدتُ إلى البلد. ولكنّني لم أبقَ طويلاً بعد أن أصرّت والدتي بأن أعود إلى الجامعة وأكّدَت لي أنّ كل شيء سيكون على ما يرام.


سألتُ شقيقتي إن كانت بحاجة إلى وجودي فأجابت بأنّها ستهتمّ بكل شيء، فرحلتُ وبالي مطمئنّ. ولكنّ الواقع كان مختلفاً تماماً. فبعد دفع تكاليف الجنازة، لم يبقَ شيء في حساب أبي وإضطرّت أمّي على بيع المنزل والإنتقال إلى شقّة صغيرة مع نجوى. وهناك عاشتا حياة صعبة، مليئة بالتضحيات، بينما كنتُ أنعم في باريس بحياة هنيئة وهادئة. وتعرّفتُ إلى أندريه شاب فرنسي لطيف للغاية ومحبّ وقررنا أن نتزوّج ونؤسس عائلة. وعدتُ إلى بلدي بعدما حصلتُ على الدكتورا وعقدتُ زواجي هناك وإستقريتُ في بيت قريب من أمّي وشقيقتي. وبعدما رأيتُ الحالة التي كانتا تعيشان فيها، حاولتُ إقناعهنّ بالإنتقال للعيش معي ولكنهنّ رفضنَ، فبدأتُ بمساعدتهنّ ماليّاً.
وبعد فترة قصيرة، علمتُ أنّني حامل بتوأم وكانت فرحتنا أنا وزوجي لا توصف. وإتّضح أنني أحمل في أحشائي بنتين، فبدأت التحضيرات لإستقبالهنّ كما يجب. ولكنّ فرحتي لم تدم، لأنّ أمّي توفيَت قبل أن ترى حفيدتيها وإمتلأ قلبي بالحزن. عرضتُ مجدّداً على نجوى أن تعيش معنا وأقنعتها بالقبول عندما شرحتُ لها أنّني لا أستطيع الإعتناء لوحدي بطفلتين وأنّني بحاجة ماسة إلى مساعدتها. وهكذا إنتقلَت مع أمتعتها إلى غرفة البنتين وبدأت حياتها معنا. كنتُ سعيدة أن أقضي وقتي معها، لأنّنا لم نفعل ذلك ألّا عندما كنّا صغيرتين وقررتُ أنّ لا شيء سيفرّقنا بعد الآن وأنّها ستكبر وتعيش بقربي.



الولادة لم تكن سهلة ولكن رؤية إبنتي أنستني أوجاعي ورأيتُ بعيون نجوى سعادة كانت تفتقدها. البناتين لم تكنّ توأئم مطابقين ولم يكن بينهنّ سوى شبه بسيط، لذا كان من السهل التفريق بينهنّ. وإتفقتُ مع نجوى أنّ كل واحدة منّا ستهتمّ بإحدهنّ لتسهيل أمورنا وهكذا فعلنا. ومرّت الأيّام وعدتُ إلى عملي كمهندسة وبقيَت نجوى لوحدها مع الطفلتين. كانت تعاملهنّ بمحبّة وحنان ولكن كان لديها أفضليّة للتي إختارتها منذ الأوّل، أي البنت التي كانت أصغر حجماً من الأخرى. لم أبالي لهذا الأمر، فكنتُ سعيدة أنّني أستطيع متابعة مهنتي دون أن أشغل بالي. ولكن ما لم أكن أعرفه هو أنّ نجوى رأت البنتين صورة مصغّرة عنّي وعنها عندما كنّا طفلتين وقرّرَت أن تعيد كتابة الأحداث مجدّداً وتصلح ما حدث لها في الماضي. فأثناء غيابي وغياب زوجي، تمكّنت من فعل ما تشاء دون أن يدري أحد. أعطَت الأهميّة كلها لبنتي الضعيفة وأهملَت الأخرى ومع مرور الأيّام والأشهر ولاحقاً السنين، بدأ مفعول تلك المعاملة يعطي نتيجته وبدأتُ ألاحظ فرقاً في شخصيّتهنّ، فالتي كانت هزيلة أصبحَت قويّة الشخصيّة، أمّا الأخرى تأخّرت في النطق وكانت تخاف من أي شيء.


وبما أنه لم يكن بإمكاني معرفة السبب، إعتقدتُ أنّ هذا طبيعيّاً عند التوائم وتابعتُ حياتي أتّكل على شقيقتي. وبدأت الصغيرة تضرب أختها وتأخذ منها ألعابها، فسألتُ الطبيب عن رأيه بما يجري، فأجابني أنّ عليّ أن أعالج الوضع بمحبّة وحكمة وكلّ شيء سيجري كما يجب. وهكذا فعلتُ ولكنّ الأمور إزدادت سوءاً حتى أن أصبح العنف مسألة يوميّة. طلبتُ من شقيقتي أن تراقب تصرّف البنتين عن كثب وأن تمنع أي إعتداء من الواحدة تجاه الأخرى وأكّدَت لي أنّ هذا ما تفعله وإعتبرَت ملاحظاتي مهينة لها فسكتتُ خوفاً من إيذاء مشاعرها. ولكنّ الوضع تفاقم بين البنتين حتى أن قرّرتُ فصلهنّ في غرف مستقلّة. وكان الوضع سيتسمرّ هكذا لولا شاء القدر أن أقع عن السلّم وأكسر رجلي ما جبرني على أخذ إجازة مرضيّة والمكوث في البيت حتى أتعافى. وحينها فقط فهمتُ ما الذي كان يحصل بينما كنتُ في عملي. فبعد حادثتي ببضعة أيّام، سمعتُ همساً في غرفة البنتين ورغم عدم قدرتي على المشي، خرجتُ من سريري ووصلتُ إلى الغرفة المجاورة ووقفتُ خلف الباب وسمعتُ نجوى تقول لإبنتي الصغيرة: "أضربيها... هيّا..." والطفلة تجاوب: "ولكنّها لم تفعل لي شيئاً." عندها قالت لها شقيقتي: "إن لم تفعل الآن فستفعل غداً... ماذا علّمتكِ؟ أنتِ الأضعف وعليكِ التفوّق عليها منذ الآن وإلّا سيحصل بكِ ما حصل لي... هيّا!" وقبل أن تنفّذ إبنتي ما طلبَته منها خالتها، دخلتُ وصرختُ بنجوى:


- هل فقدتِ عقلكِ؟؟؟ الآن فهمتُ ما الذي يحصل! إئتمنتكِ على بناتي وها أنتِ تخرّبين عائلتي! لا أريد أن تقتربي منهنّ بعد الآن!

- أنا لا أفعل شيئاً... أقوّي الضعيفة... لا أريدها أن تفشل في حياتها كما...

- كما حصل لكِ؟ إسمعيني... ما حصل لكِ ليس فعل القدر أو فعل أهلنا، بل فعلكِ أنتِ أيضاً... إستسلمتي باكراً وكل ما إهتمّيتِ به كان تفوّقي عليكِ... لم تحاولي حتى العمل على نجاحكِ، بل عملتِ على أن تفشلي لكي تكوني أنتِ الضحيّة... لو إجتهدتِ قليلاً، لأصبحتِ أفضل منّي وحظيتي بمستقبل لامع وحياة سعيدة... الحل ليس أن تنتقمي منّي مِن خلال إبنتيّ، بل أن تعملي جهدكِ بأن تنجحي بمساعدتي على تربيتهنّ على حبّ بعضهنّ والتضحية الواحدة من أجل الأخرى. وبدأت نجوى بالبكاء وقالت:

- كل ما أردتُه هو أن يحبّني أهلي كما أحبّوكِ...

- أيّتها الغبيّة... كانا يحبّانكِ كثيراً... أكثر مما تتصوّرين... وأنا أحبّكِ من كل قلبي، حتى أننّي سلّمتكِ أعزّ ما عندي.

- ماذا ستفعلين بي الآن؟

- سأعطيكِ فرصة ثانية... إثبتي لي مهاراتكِ وتصرّفي بمسؤوليّة.

وعادت شقيقتي تهتمّ بالبنتين ولكن هذه المرّة بطريقة مختلفة وإستطعنا سويّاً تصليح ما كانت فعلته. وأعطينا التوأم صورة حقيقيّة عن الحبّ بين الأشقاء وأصبحنا مثلهنّ الحيّ.

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button