أبٌ ثانٍ

زوّجَتني زوجة أبي لأوّل رجُل تقدَّمَ لي، لِترتاحَ منّي وتُعطي لأبي أولادًا منها. فبعد موت أمّي، أسرَعَ والِدي بالزواج بعد أن قيلَ له إنّه لن يستطيع تربيَتي لوحده كمُراهِقة، فإنّه سنٌّ صعب ووحدها امرأة تستطيع القيام بهذه المُهمّة. للحقيقة، لَم أكن صعبة، بل حزينة على فقدان والدتي الحبيبة بعد أن عانَت لسنوات مِن داء السرطان. مرَضُها كان مُتقطِّعًا، فتارةً تُشفى منه، وتارةً يظهرُ في مكان آخَر مِن جسدها. عشنا الرعب ثمّ الأمَل، لِنعرفَ مُجدّدًا الهمّ والقلَق، إلى حين لفظَت المسكينة نفَسها الأخير وارتاحَت مِن أوجاعها.

فتصوّروا مُفاجأتي حين قدَّمَ أبي لي تلك التي اسمها دنيا، والتي ابتسمَت لي ابتسامة غير صريحة، ووضعَت يدَها على شعري مُتغنيّةً بِجماله بكلمات مُزيّفة. ردَدتُ لها الابتسامة غير مُدركة مَن تكون، إلى حين قالَ لي والِدي: "دنيا ستعيشُ معنا بعد زواجنا... أُريدُكِ أن تكوني لطيفة معها وتعتبريها أمًّا ثانية". يا للتعريف السلِس مِن قِبَل أبي! نظرتُ إليهما غير مُصدِّقة ما سمِعتُه، وركضتُ أبكي في غرفتي. لَم يلحَق بي أحَد لِيُواسيني، بل سمعتُهما يتكلّمان عن الفرَح وعن التغييرات التي ستُجريها "العروس" في البيت. بعد ذلك، هي طمأنَت والِدي قائلة: "لا عليكَ، سأهتمّ بابنتكَ جيّدًا". وبعد سنة واحِدة على زواج أبي، دخَلَ رجُل دارنا مُحمّلًا بالهدايا، وقيلَ لي إنّه عريسي. كنتُ في السادِسة عشرة ولَم أفهَم ما يجري، كلّ ما عرفتُه هو أنّ الرجُل يكبرُني بحوالي الخمسة والعشرين سنة وأنّه قبيح وغليظ.

مانعَت كثيرًا، إلّا أنّ والِدي شرَحَ لي أنّ زواجي مِن أدهَم هو لِصالحي، فأجبتُه أنّه بالأحرى لصالحه وزوجته، فمِن الواضِح أنّهما سيتخلّصان منّي. صرَختُ وبكيتُ وقاوَمتُ، لكنّ دنيا قالَت لي بكلّ برودة: "إمّا الزواج، أو الشارع، فلا أُريدُكِ في بيتي". لَم يسمَع أبي ما قالَته لي، ولَم أردِّده له، فهو لَم يُصدّقِني ولو مرّة حين كنتُ أخبِره عن مُعاملة دنيا السيّئة لي.

تزوّجتُ أدهَم والدموع تنهال على وجهي، وكنتُ أتعَس عروس في العالَم. لكنّ الله كان يُحبُّني، وذلك بالرغم مِن موت أمّي وزواج أبي مِن تلك الإنسانة البغيضة. كان الله يُحبِّني لأنّ عريسي أدهَم لَم يكن... كيف أقولُها... يمتلكُ مقوّمات الرجولة، أيّ أنّه لَم يلمسني قط! ويا لِسعادتي! فليلة العرس، هو اعترَفَ بصوت خافِت، أنّ سبب عزوبيّته حتى ذلك السنّ هو عدَم قدرته على التزاوج. نظرتُ إليه بامتنان كبير وقلتُ له: "لا عليكَ، يكفيني أن تكونَ زوجًا صالِحًا لي". قبَّلَ أدهَم يدَيّ مُمتنًّا، وأدركتُ في تلك اللحظة أنّني أمتلِكُ قوّة هائلة في ذلك الزواج، قوّة كنتُ سأستعملها لصالحي.

قطعتُ طبعًا صِلَتي بأبي الذي "باعَني" لإرضاء زوجته، وصارَ بعد سنة أبًا لِطفل جديد، وركّزتُ على حياتي مع أدهَم. فالواقع أنّني لَم أكن أملكُ مكانًا أذهب إليه، لذلك قرّرتُ البقاء مُتزوِّجة. كانت هناك خالاتي، لكنّ صِلَتي بهنّ لَم تكن متينة، فبعد موت أختهنّ وزواج أبي، لَم أسمَع منهنّ أبدًا، بدلًا مِن أن تلتَفنَ حولي وتسألنَ عنّي. أظنّ أنّهنّ ارتَحنَ منّي ومِن أمّي المريضة التي شغلَتهنّ لسنوات. على كلّ الأحوال، فهمتُ مُبكِرًا ألّا أتّكِل على أحَد، فالكلّ خذلَني باكِرًا في حياتي، وكان عليّ تدبّر أموري بنفسي. إتّضَحَ أنّ أدَهم رجُل طيّب، ربّما بسبب مُشكلته، فعوّضَ لي بأمور كثيرة ولَم يتأخّر عن تلبية كلّ طلباتي. وأفضل ما في المُعادلة، أنّه كان إنسانًا طموحًا يعمَل بِكَدّ وجهد، وهو موهوب في كلّ ما يفعله، ما يعني أنّه كان مُرتاحًا مادّيًّا وكريمًا.

إعتبَرتُ زوجي بمثابة صديق لي، وتبادَلنا الأفكار والمعلومات والطموحات، فهو علّمَني الكثير، وأخذَني إلى أماكن عديدة لَم أتخايَل أن أراها في حياتي. فالجدير بالذكر أنّ الذي يُسمّي نفسه أبي كان رجُلًا عاديًّا للغاية، لا يجني إلّا ما يؤمِّن له القوت اليوميّ، ليس لأنّه فقير، بل لأنّه كان معدوم الطموح والرؤية. هو كان يكتفي بما يجنيه يوميًّا ولا يفكِّر بما سيحصل له في اليوم التالي. وهذا بالذات ما بدأ يخلقُ المشاكل بينه وبين دنيا، خاصّة بعدما علِمَت كيف أعيشُ مع زوجي، وقارنَت حياتها بحياتي. فكيف لـِ "فتاة عقوق" مثلي أن تنعَم بالخيرات وليس هي، في حين أنّها هي التي دبّرَت زواجي؟ وكيف ستؤمَّن حياة مولودها مع رجُل كوالِدي؟ تشاجرَت دنيا مع أبي بشكل يوميّ، وصارَت حياته جحيمًا لَم يحسِب حسابه. إستنزفَت دنيا كلّ طاقة زوجها، والمال القليل الذي كان يجنيه، إلى حين هي تجرّأت واتّصلَت بي لِتطلب منّي المُساعدة:

ـ إن كنتِ اليوم تعيشين بِرخاء، فالفضل يعود إليّ.

 

ـ وتتوقّعين منّي الشكر؟

 

ـ بالطبع، فقد اتّضَحَ أنّ أدهَم رجُل مُمتاز!

 

ـ إتّضَحَ... يعني أنّكِ لَم تكوني تعرفين أيّ صنف مِن الرجال هو حين زوّجتِني عنوةً منه.

 

ـ للحقيقة لا... بل أحَدٌ قالَ لشخص أعرِفه أنّ أدهَم يشعرُ بالوحدة وهو بحاجة لِزوجة.

 

ـ أيّ أنّكِ اختَرتِ عريسي، لأنّ أحَدًا يعرفُ أحَدًا آخَر قالَ لكِ إنّ رجُلًا لا تعرفين شيئًا عنه يُريدُ الزواج... وكان مِن الممكن أن يكون أدهَم أسفل السّفَلة.

 

ـ لكنّه رجُل جيّد! مِّما تشتكين؟

 

ـ ماذا تُريدين؟ لماذا إتّصلتِ بي؟

 

ـ أُريدُ مُساعدة ماليّة منكِ، ألَم أُساهِم بصورة مُباشرة في سعادتكِ؟

 

ـ أيّ أنّكِ تُريدين عربونًا على "الصفقة"؟

 

ـ لا داعٍ لاختيار هذه الكلمات، فلقد أرَدتُ أفضل ما يكون لكِ.

 

ـ صحيح، لأنّكِ تُحبّيني كثيرًا!

 

ـ أُريدُ مالًا!

 

ـ تُريدين... تُريدين... لَم أسمَع منكِ كلمة "مِن فضلكِ"، أو "أرجوكِ"، أو "لو سمَحتِ".

 

ـ لن أنذَلّ لكِ!

 

ـ إذًا لن تحصلي على شيء! أريدُكِ أن تتوسّلي لي، هيّا... وعندها سأُفكِّر بالأمر. على فكرة، أين أبي العزيز؟ لماذا ليس هو مَن يطلبُ مُساعدتي؟

 

ـ أبوكِ رجُل فاشِل، لا يحتاج للمال أو لأيّ شيء آخَر.

 

ـ ولماذا تزوّجتِه إذًا، وتكَبَّدتِ عناء تحمّلي، ولاحقًا تزويجي، ثمّ الإنجاب.

 

ـ هو ضحِكَ عليّ وادّعى أنّه يجني الكثير، فقَبل الزواج وبعده بقليل، كان يصرفُ عليّ بِكرَم.

 

ـ صَرفَ عليكِ مِن مال أمّي أيّتها الغبيّة، لكنّ المال نفَذَ، وها أنتِ أمام الواقِع المرير. لن ترَي قرشًا واحِدًا منّي، فلتذهبي وأبي إلى الجحيم!

 

حظَرتُ رقم دنيا وأبي على هاتفي ونسيتُ أمرهما تمامًا. وبعد أن كان مرَّ على زواجي ثلاث سنوات، إشترى لي زوجي محلًّا حوّلتُه إلى مكان أبيعُ فيه أدوات للتبرّج والحلى الجميلة وبعض الملابس. ومع أنّني كنتُ لا أزال يافِعة، إتّضَحَ أنّني كنتُ تلميذة جيّدة لأدَهم، الذي علّمَني أصول البَيع والتسويق والتجارة. لَم أشعُر بأيّة حاجة لِزواج حقيقيّ، فلقد أحبَبتُ بالفعل زوجي الذي اعتبرتُه صديقي ورفيقي وصورة للأب المثاليّ. لكنّني كنتُ أعلَم أنّ يومًا سيأتي وأرغب بالإنجاب، إلّا أنّني وضعتُ تلك الفكرة جانبًا لاستحالة حصولها، وركّزتُ على محلّي ونجاحه.

تركَت دنيا أبي ورحلَت مع ابنها، ولدى سماعي الخبَر، إبتسَمتُ لأنّني كنتُ أعلَم أنّ المرحومة أمّي، مِن حيث هي، تبتسمُ هي الأخرى. فكيف لها ألّا تفرَح بعدما استبدَلَها زوجها بأخرى بعد أشهر مِن وفاتها، وجلَبَ لابنتها الوحيدة زوجة أب شرّيرة رمَتها في أحضان رجُل غريب؟

ولأنّه لَم يتعلّم مِن الدرس الأوّل، أسرَعَ والِدي بالزواج مُجدّدًا، لأنّه جبان ويخاف مِن العَيش لوحده. كانت حالته المادّيّة يُرثى لها، فتزوَّجَ مِن امرأة مُعتادة على الفقر كَي لا تطلبَ منه ما لا يستطيع تقديمه لها.

وذات يوم، دقَّ والِدي بابي، ففتَحتُ له فقط لأعلَم ما يُريدُه. لَم أرَ ذلك الرجُل منذ سنوات، وتفاجأتُ بِمظهره إذ بدا لي عجوزًا قَبل أوانه. فقلتُ له:

ـ ماذا تُريد؟

 

ـ إشتَقتُ لكِ يا حبيبتي.

 

ـ بلا كذِب مِن فضلك، ماذا تُريد؟

 

ـ هل لي أن أدخل؟

 

ـ ستبقى عند الباب، فلا أستقبِل غرباء في بيتي.

 

ـ أنا أبوكِ!

 

ـ هذا ليس صحيحًا! الأب لا يسمَح لامرأة غريبة بِسوء مُعاملة ابنته، ولا يُجبِر هذه الأخيرة على الزواج مِن رجُل لا يتكبَّد حتى عناء السؤال عنه. ماذا لو كان أدهَم عنيفًا معي، أو مريضًا نفسيًّا، أو يتعاطى المُخدّرات، أو يلعَب المَيسر، أو يهوى النساء؟ تقولُ إنّكَ اشتَقتَ إليّ؟ هل سألتَ عنّي بعد تزويجي؟ أم دفَنتَ رأسكَ في الرمال كالنعامة، على أمَل أن تنسى وجودي بشكل تام وتنعَم بحياتكَ مع زوجتكَ وابنكَ؟ أنتَ لستَ أبًا، بل أدهَم هو أفضل أب منكَ. وهو رجُل لَم أقابِله في حياتي، رجُل لَم يكن يعلَم أنّني موجودة في هذه الدنيا ولا تربِطه بي أيّة صِلة، لكنّه علِمَ كيف يُعامِلني ويُعطيني الشعور بالأمان والحبّ والاحترام، أيّ كلّ الذي لَم أنَله منكَ. لستَ هنا اليوم لِرؤيتي، وإلّا حاولَت المجيء مِن قَبل للاطمئنان عليّ. أنتَ هنا مِن أجل المال. عُد أدراجكَ ولا ترَجع إلى هنا.

 

اليوم أنا أمّ لفتاة جميلة تبنَّيتُها وزوجي بعد أن رُمِيَت على باب المَيتم. فتاة لَم يُرِدها أحَد، تمامًا كما لَم يُرِدني أبي، قواسِم مُشتركة عزَّزَت مِن حبّي لها ورغبتي بحمايتها. حياتي جميلة مِن كلّ النواحي، واشكُر الله يوميًّا على كرَمه وعنايته، لأنّ مِن دون تدخّله لكانت أيّامي بالفعل سوداء.

 

حاورتها بولا جهشان

المزيد
back to top button