قالوا أنّني قليلة الفهم ووضَعوني جانباً

قالوا أنّني قليلة الفهم ووضَعوني جانباً

لا أدري لماذا إعتبرَني أهلي أقل ذكاءً مِن إخوَتي ووضعوني جانباً، وكأنّ لا وجود فعليّ لي. ربّما السبب كان وزني الزائد، الذي أعاقَ بعض الشيء حركتي أو طيبة قلبي، التي حملَتني إلى حبّ الكائنات أجمعها والإصرارعلى حمايتها خاصة الصغيرة منها. وكبرتُ وأنا أعتقد أننّي لستُ فالحة بشيء، لِذا لم أتكبّد عناء التميّز في المدرسة. ولِمَ أفعل إن كنتُ غير ذكيّة ولن يأتي مجهودي بأيّ نتيجة؟
وهكذا لَم أنهي تحصيلي العلمي، بينما نال أخوَتي شهادات عالية وشغروا أشغالاً مرموقة. وعندما كانت الناس تسأل أهلي عنّي، كانوا يجاوبون:

" ثناء؟ ثناء مختلفة... تحبّ الحياة الهادئة..." وكنتُ أبتسم وأوافق على ماقيل عنّي.
ولم أكتشف مدى ذكائي الاّ بعد سنين طويلة، بعد أن قرّرَ والديّ أنهّ حان الأوان لكي يأتي أحد ويأخذني ليشعُرا أنهّم نجحا مع كل أولادهم. لِذا أوكَلت أمّي جارتها لتفتّش لي عن عريس يقبل بإمراة مثلي، قائلة:

ـ صحيح انّ ثناء ليست شعلة ذكاء ولكنّها قويّة البنية وتستطيع مساعدة زوجها... والأكل الذي تحضرّه لذيذ للغاية... حتى أنهّا تجيد الخياطة... سيكون رجلها مرتاحاً جداً معها...

وهكذا وجَدَت لي الجارة، يوسف فلاح يعيش في البلدة المجاورة، بعدما دارَت في المنطقة كلهّا بحثاً عن الذي سيريدني. وعندما رأيتُه، لم أشعر بأيّ أعجاب تجاهه ولكنّني قبلتُ أن أتزوّجه لأنّ أهلي قرّروا ذلَك وكنتُ إعتدتُ أن أنفّذَ ما يُطلَب منّي دون مناقشة. تواعدنا لِبعض الوقت وأخبرَني عن شغفه للأرض وكيف يمتلئ قلبه فرحاً عندما يرى الفواكة والخضار تنبُت وتكبر أو عندما تولِد إحدى الحيوانات صغيراً. إستمعتُ له بإعجاب وتمنيّتُ أن يكون شريكاً صالحاً وصَمّمتُ على إسعاده قدر المستطاع.
وهكذا إقترنتُ بيوسف وبدأنا مشوارنا سوياً. كان زوجي رجلاً طيّباً ولَم يكن له حاجات كثيرة، فكان يكتفي بالقليل ويصبّ إهتمامه على مزرعته. علّمني كيف أهتمّ بالمواشي والدواجن وأحببتُ العمل مع تلك المخلوقات التي لطالما كان لها مكاناً خاصاً في قلبي. وكان يوسف يصحى في الصباح الباكر ويذهب إلى أرضه بينما أٌقوم بالباقي. ومع الوقت، أصبحتُ أحبُ ذلك الرجل الذي إحترَمني وعَرِفَ كيف يتعامل معي، أي بلطف وحنان وبعد سنتين على زواجنا، رُزقنا بِبنت جميلة كلَلَت حياتنا الهادئة والسعيدة. أسميتُها شروق، لأنّني كنتُ أحبّ أن أشرب قهوتي الصباحيّة مع يوسف كل يوم ونشاهد سوياً طلوع الضوء مِن على الشرفة. ولكن سعادتي لم تكن لِتدوم، فبعد أقل مِن خمس سنوات على ولادة إبنتنا، لقيَ زوجي حتفه حين سقط في مهوار وهو يبحث عن نعجة كانت قد ضلَّت طريقها. وكان حزني عميقاً جداً لأنّني فقدتُ الإنسان الوحيد الذي إحترمَ بطئي ومشى على نمطي وحاولَ جهده لإسعادي.
وبعد أن إنتهاء مراسيم الدفن، عدتُ إلى المنزل مع إبنتي وبكيتُ بمرارة على منزل أصبح فارغاً من دون يوسف. ولكن تلك لم تكن مشكلتي الوحيدة، فمع غياب زوجي، واجهتُ مِعضلة كبيرة: كيف كنتُ سأعتَني لوحدي برزقنا؟ صحيح أنّني كنتُ أهتمّ ببعض الأمور في المزرعة ولكنّ زوجي كان الذي يشتري ويبيع ويذهب إلى الأسواق، أي أنّه كان مسؤولاً عن كل الأمور العمليّة مِن الإنتاج إلى المبيع. وخطرَ آنذاكَ على بالي أن أبيع كل ماعندنا وأبدأ حياة جديدة مع شروق ونعيش مِن المال الذي سنحصل عليه ولكنّني إعتبرتُ ذلك خيانة لِذكرى يوسف وقلّة إحترام لماّ عمِلَ مِن أجله طوال حياته. لذا قرّرتُ أن أدرسَ الوضع بتمعّن، لأجدُ طريقة تخوّلني متابعة أعمال المزرعة. ولكنّ إعتقادي بأنّني لن أقدر على هكذا مسؤوليّة، جعلَني أضيّع وقتاً ثميناً لأنّني فتشتُ على مَن يدير عنّي المزرعة.
فبعد أن إنتشرَ خبر وفاة يوسف وأنّ أرملتَه البسيطة واقعة في حيرة مِن أمرها، ركضَ كل مَن أراد الإستفادة مِن الوضع بنيّة سرقَتي. وكان أوّلهم إبن عمّ زوجي الذي جاء في ذاك يوم وقالَ لي:

قد يهمّكِ أيضاً