أجيال متعاكسة في المواهب والأذواق!

أجيال متعاكسة في المواهب والأذواق!

كبار مرتبطون بريعان شبابهم... وشباب متسرعون نحو الشيخوخة

من قال إن التقدم في العمر يفقد المرء قدرته على التجدد والنشاط وممارسة النشاطات اليومية بشكل طبيعي ؟ ومن قال إن مرحلة الشباب توحي بالفترة الخصبة المتجددة والمتفتحة على المحيط الداخلي ولاسيما العالم الخارجي؟

ELLE Arabia ترصد سلوكيات عدد من اليافعين والمتقدمين في العمر الذين يمارسون نشاطاتهم اليومية بأسلوب مختلف عن مراحل الحياة المألوفة، التي تنفي العبارة القائلة “لكل مرحلة في الحياة دورٌ يناسبها”.

زهدي الغندور، رجل في منتصف الستينيات من العمر، وهو جد لأحدى عشر حفياً، يروى لنا يومياته، التي يصفها بالمغامرات الشبابية، ويقول: " سنوات عمر الإنسان لاتعبر عن حقيقة الشخص، هناك أفراد أعمارهم كبيرة لكن قلوبهم ونشاطهم شاب، والعكس صحيح، لذلك أنا أؤمن ان الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى، وبما أن الله منحنى الصحة والقوة، علي أن أستغل قوتي وشابي واستمتع بهما، أنا أفضل ممارسة الرياضة بشكل دائم وخاصة ركوب الدراجة الهوائية، والدراجة المائية، والصيد باستخدام الشبكة. كما وأني أهوى الرقص " الدبكة" وأذهب دائماً إلى الحفلات والأعراس للرقص والاستمتاع، وأحب سماع الأغاني المتنوعة ومشاهدة الفيديو كليب، لاسيما الأغاني العراقية التي تعتمد على رقصات "الدبكة" أيضاً، أما أحفادي أجلس معهم كل يوم للعب والاستمتاع، لاسيما واني أعشق لعبة " البلاي ستيشن" برفقتهم ودائما ما نتشاجر على من الرابح بيننا".

ويشير الغندور ان أحفاده، ينادونه " أبو الزوز" بشكل دائم من منطلق الدلع، كما أن زهدي يتميز بمظهرة الخارجي الذي يوحي بالشباب حيث يفضل لبس الجينز، والقمصان الرياضية ذات الألوان الزاهية والأنيقة.

-خمسينية تعشق عجرم

أما السيدة كوثر محمد، وهي أيضاً جده في الخمسينات، تمارس حياتها اليومية وكأنها شابه في مقتبل العشرينيات. وعلى الرغم من مرضها والحالة الاجتماعية التي تعيشها ولاسيما بعد فقدانها زوجها وابنتها، إلا أنها تسعى دائماً إلى البحث عن الابتسامة والفرح في كل دقيقة من حياتها، وتقول: " حياتي عبارة عن دفتر ألوان، في كل يوم أضيف لون وأحذ لون آخر، أنا من عشاق التسوق والبحث عن كل ما هو جديد في عالم الموضة، أفضل ارتداء الألوان الزاهية كالأحمر والأصفر والوردي، وأهتم بالإكسسوارات ووضع القليل من الماكياج، وتغلب على شخصيتي طابع المزاح والضحك، وخاصة مع أحفادي الذين أداعبهم وألعب معهم ودائماً ما أحرص على شراء الألعاب لهم". وتتابع كوثر وتحدثنا عن أوقات الفراغ التي تعيشها، وتقول: " الفراغ وقت مؤلم جداً، لاسيما وأني لا أفضل الجلوس في المنزل، لذلك أنا أستغل وقت الفراغ في مشاهدة المسلسلات والأفلام المصرية، وسماع الأغاني وأنا من عشاق الفنانة نانسي عجرم، التي حين أستمع لصوتها أشعر بالحيوية والنشاط".

-شباب خارج عن المألوف

في المقابل، يأتي حازم إبراهيم الشاب العشريني، الذي ينظر إلى واقعة بمنظور جاد متجرد من وسائل الترفيه والتشبيب، لاسيما وهو يعمل في مهنة الهندسة الإلكترونية، ويتعامل مع مهندسين كبار في العمر الأمر الذي انعكس على صداقاته ليصادق أفراد متقدمين نوعاً ما في السن، ويقول: " أقضي وقت فراغي في تصليح الأجهزة الكهربائية والإلكترونية في المنزل، وفي نهاية كل أسبوع اجتمع مع أصدقائي للعب " الكوتشينة" أو " الضومنو"، كما أني من عشاق أغاني أم كلثوم وعبد المطلب وعبد الحليم، وأهوى سماع أغاني الأوبرا، ولا أهتم بمشاهدة التلفزيون".

وبأسلوب مماثل يتحدث شادي نبيل، بأسلوب جاد ومقنن الأمر الذي يعكس قوة وجمود شخصيته، ليقول: " لا أهتم بالمظاهر ولا تعنيني الفتيات بشيء، منذ ان كنت في مرحلة الطفولة، وأنا أشعر بأني شخص مسؤول علي بالدراسة والاجتهاد، وبعدها أكملت طريق العمل والرقي، أهتم بأدق التفاصيل لاسيما مع إخوتي البنات الذين أكثر في طرح الأسئلة عليهن وأشدد على تصرفاتهن، وأيضاً هذا الأمر يطول والدتي، وأعترف إنهن في الكثير من الأوقات ينزعجن من تصرفاتي، لكن هذا الأمر خارج عن إرادتي".

ويضيف: " لدي أصدقاء محدودين، ألتقي بهم في المسجد و في المقهى لنتسامر أطراف الحديث، أما بالنسبة لمظهري الخارجي ألتزم اللباس البسيط والألوان الهادئة بعيداً عن الصرعات والموضة، وأكثر ما يثير غيظي عندما أرى شاباً منقوش على جسده رسومات غريبة من " التاتو".

-البيئة والجينات الوراثية

يرجع أخصائي علم النفس في مستشفى الأمل للأمراض النفسية، الدكتور سعيد الهاشمي، ان السبب الرئيسي لالتزام بعض الشباب بسلوك يتفوق عن أعمارهم، يرجع إلى الاضطرابات الشخصية، وإلى أسباب تتعلق بالتنشئة الاجتماعية.  ويقول: " الشخصية المضطربة عادةً ممكن أن تؤدي إلى تعقد الشخصية عند الشباب، وأيضاً الجانب الاجتماعي يلعب دور في التأثير على الشخص، كأن ينشأ في بيئة منغلقة ومشددة، لينتج في النهاية شاب معقد ومنغلق نوعاً ما على الحياة".

ويضيف: " نلاحظ في مجتمعاتنا العربية ومجتمعات الدول الغربية التي تعتبر متطورة نوعاً ما من ناحية الطب النفسي، أن الأفراد الذين يعانون من اضطرابات في الشخصية، لا يلجئون إلى الطب النفسي، وتبقى مشكلتهم حتى الموت، أي لا يوجد تقويم للخلل السلوكي، على سبيل المثال، رجل لديه سلوك غير مقبول اجتماعيا كالإدمان على المخدرات، التي بدأ يتعاطها منذ فترة المراهقة ومازالت تلك العادة مرتبطة معه حتى وصوله إلى سنوات عمر متقدمة، وهذا واضح بشكل كبير في مجتمعنا،  وهذا يمكن تعميمه على سلوك العنف في التعامل، الذي يكتسبه الأبناء من آبائهم وينتقل معهم هذا السلوك حتى الكبر".

تلعب الجينات الوراثية دور كبير في نقل السلوك الإيجابي والسلبي بين الأجيال، لكن الأهم من هذا البيئة والمحيط الخارجي للفرد، وللتوضيح يشير الدكتور الهاشمي: " تلعب التنشئة دور كبير في تعديل وبناء السلوك السوي للفرد، وخاصة في السنوات الأولى من العمر، لذلك على الوالدين تربية أبنائهم بشكل سوي ومحاولة غرس السلوك المقبول اجتماعياً في نفوسهم، من هنا إذا كان الطفل يحمل جينات سلوكية سلبية، سوف يتغلب عليها من خلال التنشئة الإيجابية الصالحة، لكن إذا تعرض الطفل للاعتداء أو الاستغلال أو العنف في مرحلة الطفولة هنا سوف يتم تفعيل الجينات الوراثية بشكل كبير، التي غالياً ستظهر بشكل واضح في مرحلة المراهقة، وفي مرحلة متأخرة من البلوغ".

-العلاج السلوكي

تنوعت وتعددت طرق العلاج النفسي لتعديل السلوك، من هنا يقدم الدكتور الهاشمي أبرز الطرق العلاجية النفسية في هذا المجال، ويقول: " يوجد في الطب النفسي أنواع كثيرة من العلاجات السلوكية، ويطلق عليها " السلوكية المعرفية"، بالإضافة إلى الأدوية النفسية، البعيدة عن استخدام المهدئات والمواد المخدرة وغيرها ، وتسمى بـ "الأدوية  المعقله"، وتستخدم في حال وجود شخصية  لديه سلوكيات عنيفة تعرض حياته ومن حوله إلى الخطر، وكما تستخدم أدوية تسمى "المعدلة للمزاج"، في حالة السلوكيات الغير مرغوبة والشاذة".

وحول السلوك المكتسب، يشير الهاشمي، ان التربية لها دور كبير في هذا الجانب، قد يكتسب الطفل سلوك والديه أو أخوته الكبار، ويعمل على تقليدهم وقد يكون سلوكهم سلبي كالعنف أو الإدمان على المخدرات والكحول. وحول طرق العلاج النفسية لهذه الحالة، يقول الهاشمي: " نبدأ بعمل جلسات علاجية للمريض نعرفه من خلاله ان سلوكه سلبي، بعدها نقدم  له السلوك البديل، فبعض الأشخاص يستخدمون لغة العنف والضرب بدل من لغة الحوار، من هنا نبدأ بإعادة تأهيل سلوكهم، من خلال الطريقة السابقة، ويحتاج المريض إلى أشهر حتى يستطيع ان يعدل سلوكه".

 

تحقيق رنا إبراهيم

 

قد يهمّكِ أيضاً